السيد الخوئي

34

مصابيح الأصول

حقيقة الوضع وبطلانها نقول : إن الانسان لما كان محتاجا إلى التفهيم والتفاهم بمقتضى طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه ، كان مضطرا لان يخترع ما يسد به حاجته القائمة على أساس التفاهم ، ليتمكن من ابراز مقاصده ، وما يكنه في قرارة نفسه من المعلومات التي يطلب ايصالها للآخرين ، فكانت الغاية المتوخاة من الوضع ليس إلا احضار المعاني امام المخاطبين . ومن البديهي ان الإشارة وإن كانت وسيلة للأفهام إلا انها من العسر جدا ان تفي بالغرض الذي تتوقف عليه حياة الانسان الاجتماعية ، لأجل هذا اتخذ الانسان وسيلة أخرى اقصر من الإشارة ، وأوفى بالمقصود . تلك هي الالفاظ ، فان الالفاظ تلقى المعنى امام السامع ، وتبرز مقصود المتكلم ، وهي وافية بجميع المقصود . فكان حالها كالإشارة من ناحية إفهام المقابل ؛ فكما ان المشير يمكنه ان يلفت نظر المخاطب إلى أن المقصود من حركته هو المجيء ، كذلك اللافظ يمكنه ان يعبر بلفظ جاء للدلالة على هذا المعنى . غاية الأمر الإشارة يمكن ان يلتفت إليها كل أحد . بينما الالفاظ لا يلتفت إليها الا من اطلع على معاينها . وإذا اتضحت الفائدة والغاية من الوضع فنقول : الوضع حقيقته نفس القرار والاثبات والتعهد . فان كل فرد من أولئك الذين يتكلمون بلغة خاصة يتبانى مع جماعته ويأخذ عهدا على نفسه بأنه متى ما تكلم بلفظ خاص فقد أراد منه معنى مخصوص ، لذا كان كل مستعمل واضعا باعتبار ان كل واحد من المستعملين قد اخذ عهدا على نفسه بهذا القرار . فإذا استعمل اللفظ في مورد فقد جرى على طبق التزامه وتعهده . ومن قراره والتزامه هذا وتعهده على نفسه تنشأ العلقة الوضعية بين اللفظ والمعنى ،