الشيخ بشير النجفي

52

مرقاة الأصول ( بحوث تمهيدية في أصول الفقه )

ثالثا : التلبّس والاتّصاف يختلف باختلاف مبادئ المشتقّات ، فقد يكون المبدأ من الحرف والصناعات ، وفي بعضها القوّة والملكة ، وفي بعضها يكون فعليا . فالأوّل : مثل التجارة ، فإنّ الاتّصاف متحقّق ما دام زيد لم يعرض عن هذا العمل . والثاني : مثل الاجتهاد ، حيث المقصود به الملكة باقية في نفس زيد ، فيعتبر متّصفا بالاجتهاد وان لم يكن مشتغلا بالاستنباط بالفعل . والثالث : مثل القيام ، فإنّ زيدا ما دام منتصبا يعتبر قائما ، ولا يعتبر في مثله كونه ملكة أو حرفة أو صناعة . فالحاصل : أنّ الاتّصاف بالمبدأ يختلف حسب اختلاف المبدأ ، وبتبع ذلك يختلف الاتّصاف والانقضاء . فإذا تمهّدت لك هذه الأمور فاعلم : انّه لا خلاف عندهم في أنّه إذا اتّحد حال التلبّس والاتّصاف مع حال النسبة والجري ، يكون ذلك الاستعمال حقيقيا . مثل : زيد قائم يوم الجمعة ، وكان في الواقع أيضا كذلك ، فحينئذ يتّحد زمان التلبّس مع زمان النسبة . وهكذا لا نزاع بينهم في أنّه مجاز فيما إذا انفصل زمان النسبة عن زمان التلبّس وتأخّر زمان التلبّس عن زمان النسبة ، مثل ما إذا قال : زيد نائم الآن ، وفي الواقع ينام في المستقبل . إنّما الخلاف فيما إذا تقدّم زمان التلبّس على زمان الجري والنسبة بأن اتّصفت الذات بمبدإ في زمان وزال ذلك الاتّصاف ، ثمّ حصلت النسبة والجري ، مثل ما إذا قال : زيد قائم الآن ، وفي الواقع كان قائما أمس ، فهل هذا الاستعمال حقيقي - مثل النحو الأوّل - أم مجازي ؟