أبو الحسن الشعراني

27

المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه

ففيه أن كل ظن يمكن أن يكون كذلك ولو كان ضعيفا جدا ، ومن ليس ملتفتا إلى النقيض فلا يمكن أن يكون مكلفا بخلاف ظنه ، بل المراد من إثبات الحجية حجية الظن ولو كان الظانّ ملتفتا إلى النقيض . وإن أرادوا أن العقلاء بعد الالتفات إلى النقيض أيضا لا يعتدون به لبعده . ففيه أولا أن الأمور مختلفة ، ففي بعضها يعتد العقلاء بالاحتمالات الضعيفة جدا ، وفي بعضها يكتفون بالظن القوى ، وفي بعضها بالظن الضعيف ، وفي بعضها لا يعتدون بالظن أصلا . وأما ثانيا فلأن الاخبار المنقولة التي هي العمدة في نظر الأخباريين وصاحب المحجة وغيرهم ليست بحيث يكون احتمال النقيض فيها بعيدا كل البعد حتى يكون الظن بصحتها اطمئنانا أو علما عاديا . أما الأول وهو كون العقلاء مختلفين في الموارد ، لأنا نرى لو أن رجلا جوز كون ابنه الصغير مشرفا على السقوط من شاهق ، وأخبره ثقات عديدة بأن ابنه في البيت ولا خطر ، واحتمل كونهم كاذبين احتمالا ضعيفا كل الضعف اعتنى به يقينا ولم يعبأ بخبر هؤلاء الثقاة . وترى الناس لا يستصحبون الجواهر والأحجار الكريمة في المجامع والحمامات ، مع أن احتمال السرقة فيها أضعف من احتمال وجود الخبر الكاذب في الأخبار الصحيحة ، ففي ألف رجل يدخل الحمام ، لا يسرق متاع واحد وفي كل ألف حديث ، يوجد أكثر من خمسين حديثا كاذبا قطعا . « 1 » وربما يعتدون بالظنّ الضعيف في مكاسبهم ومعايشهم لأن في ترك

--> ( 1 ) - عهدة هذا الادّعاء على المؤلّف رحمه اللّه . وبنظرى القاصر فيه مبالغة .