أبو الحسن الشعراني
25
المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه
عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ . « 1 » فإن قيل : إن الأحكام الشرعية تابعة للمفاهيم العرفية لا للدقائق العقلية فإذا حكم العرف بأن الظن القوى علم فجميع أحكام العلم يترتب على هذا الظن القوى أو الاطمئنان . قلنا : أولا لا نسلم أن العرف يحكم على الظن الاطمئنانيّ بأنه علم ، وثانيا سلمنا ذلك ، لكنه من المسامحة في تطبيق المفهوم على المصداق ، والخطاء فيه ، مثلا إذا حكم العرف على شئ شبيه بالذهب بأنه ذهب خطاء لعدم المداقة ، هل يحكم فقيه بعدم جواز الصلاة فيه ، أو ذهب صفات الماء المضاف بحيث اطلق عليه الماء مسامحة ، هل يحكم بجواز الطهارة منه . نعم العرف محكم في تعيين المفهوم فقط ، وأما في تطبيق المفهوم على المصاديق فالبناء على الدقة ، وقد تبين أن العلم هو انكشاف الواقع على ما هو عليه في اللغة والعرف ، فإذا أخطاء العرف وتوهم ما ليس بانكشاف انكشافا فلا عبرة به . ونظيره أنهم اتفقوا على أن الماء لو نقص عن الكر ولو قطرة ، أو المال عن النصاب ولو مثقالا وحبة ، والسفر عن المسافة ولو خطوة ، زال حكم الكامل وإن صدق على الناقص مسامحة . والعجب ممن يرى حكم العرف في جميع ما يسبق إلى أذهان أهله . ورأيت رجلا يقول : إن الساعة الأخيرة من يوم الجمعة واحدة في جميع الأرض لأن الوحدة تتبادر إلى ذهن الناس بعد سماع هذه الكلمة ، ويلزم منه أن يكون الزوال مثلا في جميع الأرض وقتا واحدا ، لأن الناس يعتقدونه كذلك ، وكذا الغروب والليل والنهار .
--> ( 1 ) - سورة النساء ، الآية : 157 .