أبو الحسن الشعراني

286

المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه

لا يخفى أن الفعل الإرادى لا يصدر عن الإنسان إلا أن يكون متعقلا له ولا يمكن أن يصدر عنه إلا لغرض ، ويكون ثبوت الغرض له أولى من عدمه والغرض مقدم تصورا ومؤخر عن الفعل وجودا ومحرك باعث داع للمكلف إلى الفعل ، ويسمى في العلوم النظرية الغاية أو العلة الغائية باعتبارين . والغرض في الأمور الشرعية أعنى ما أمر به الشارع يجب أن يكون هو أمر الشارع حتى يصدق على العبد أنه امتثل ، وكذا في إطاعة جميع الموالى . مثلا إذا أمر السيد عبده بالمجىء وجاء العبد لأن يضرب المولى لم يعد مطيعا لأنه لم يكن داعيه المحرك إلى المجىء أمر المولى ولا غايته التقرب إليه بامتثال أمره ، ولأن الإطاعة فعل حسن والآتي بفعل لا بداعي الأمر لا يعد فعله حسنا ولا يستحق به مدحا . وأيضا عنوان المأمور به مقوم للتكليف بحيث إذا تغير العنوان لم يكن ذاك التكليف ، فإذا أمر عبده بإيتاء مال لرجل صدقة وأعطى العبد له مالا رشوة لم يكن داعيه أمر المولى ولم يصدق عليه الإطاعة . ولكن يجزيه الإشارة إلى العنوان إجمالا بحيث لا ينصرف إلى غيره ، كما لو نسي ولم يعلم هل المولى أمره بالإيتاء صدقة أو خمسا فنوى ما أمره المولى إجمالا يكفيه . وكذلك حسن الأفعال عقلا أو قبحها تابع لقصد العنوان ألا ترى أن من أعطى دينارا لامرأة ظنها زانية طمعا في الفاحشة فتبين أنها كانت صالحة فقيرة فإن هذا العطاء لا يعدّ منه حسنا . « الوجه المجعول غاية » تبيّن مما ذكر أن الفعل لا يتصف بالحسن والقبح إلا إذا قصد الفاعل فيه عنوانا حسنا . وبعبارة أخرى يجب أن يكون داعى المكلف إلى الفعل