أبو الحسن الشعراني

269

المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه

كانتا اعتباريتين كالعشرة فإنها تتصف بالوحدة والكثرة باعتبارين . وعلى ما ذكرنا فجميع هذه غير مفيدة فيما نحن بصدده ، لأن فعل شئ مع تركه ممتنع ، والقدرة تتعلق بالمشخص الجزئي ، فإذا لم يستطع المكلف أن يمتثل الأمر فالتكليف به من الحكيم محال . ومما ذكرنا يعرف وجه اعتبار المندوحة ، لأن الأمر والنهى عن فعل لا يتمكن المكلف من امتثال الأمر إلا بفرد منهى عنه ، تكليف بما لا يطاق ، مثل أكرم كل عالم ولا تكرم كل فاسق . « اللازم والملزوم » قد علم مما ذكر أن الفعلين المتلازمين كالفعل الواحد لا يجوز الأمر بأحدهما والنهى عن الآخر ، وأما اللازم والملزوم ، إذا كان اللازم أعم فيجوز الأمر باللازم والنهى عن الملزوم دون العكس ، فلا يجوز الأمر بفري الأوداج والنهى عن القتل ، ولكنه يجوز الأمر بالقتل والنهى عن فرى الأوداج ، فينصرف الأمر إلى القتل بغير فرى الأوداج ، ومنه يظهر صحة استدلال أبى الحسين « 1 » على وجوب المقدمة بأن الأمر بالواجب مع تجويز ترك المقدمة يوجب التكليف بما لا يطاق . ويعلم أيضا منه حكم مستلزم المحرم كالوضوء الذي يستلزم صب مائه في المكان المغصوب ، فإن النهى عن الغصب اللازم لا يجتمع مع الأمر بالوضوء الملزوم ، فمستلزم المحرم محرم إرشادا كوجوب المقدمة العقلية .

--> ( 1 ) - البصري المعتزلي . تقدم كلامه في أوائل بحث مقدمة الواجب . فراجع .