أبو الحسن الشعراني
202
المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه
على هذا فلو اجتمع في فعل واحد جهتا مصلحة ومفسدة ففي الحقيقة المصلحة لفعل والمفسدة لفعل آخر اجتمعا في فعل له من حيث هو شئ من المصلحة والمفسدة الذاتيين . مثلا القول من حيث هو قول حسن لا مفسدة فيه ، فإذا كان كاذبا كان المفسدة في الكذب ذاتا ، وإذا كان سببا لإنجاء نبىّ كان انجاء النبي حسنا ذاتا دون الكذب . وبعد تعارض الجهات وترجّح بعضها على بعض كان الحكم على الراجح لأن ترجيح الراجح حسن ذاتا . « شرائط المحكوم عليه » المحكوم عليه يجب أن يكون موجودا . وجوّز الأشاعرة تكليف المعدوم ، لقولهم بالكلام النفسي القديم ، ويلزم مثل ذلك الحنابلة القائلين بقدم الكلام اللفظي . لنا أن من يتكلم حين لا يسمعه أحد ، ويأمر وينهى حيث لا أحد يمتثل يعدّ سفيها . قالت الأشاعرة : هذا نظير طلب التعلم من الولد قبل أن يولد . وأيضا أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله بتكاليف حين لم نكن موجودين . والجواب : أن طلب التعلم من الابن الذي لم يولد عين السفه ، والمتعقل منه التمني والرغبة ، لا الطلب الذي يدل عليه صيغ الأمر ، وأما أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله إيانا فليس بتكليف قبل وجودنا بل إقامة دليل ونصب أمارة على فرض الطلب فيما بعد ، نظير خطاب مصنفى الكتب إلى قارئى كتبهم ، وأوامر الموصين والواقفين بالنسبة إلى من يأتي