أبو الحسن الشعراني
173
المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه
يتكلم بشئ عنى هو به معنى ولكن لا يفهمه أحد فهو أيضا باطل ، وإن أرادوا أنه لا يفهمه جميع الناس بل يعنى به شيئا يفهمه بعضهم فهو صحيح في مخاطبات العقلاء إذ في كلامهم رموز وكذا في اصطلاح أرباب الفنون ، ولا دليل على عدم جوازه في كلام اللّه تعالى . وقال الأخباريون منا أن جميع ألفاظ الكتاب من قبيل المتشابه ، والبحث معهم يطول ليس هنا موضع ذكره . فإن قيل قوله تعالى : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا « 1 » يدل على قول الحشوية ، من أن المتشابه لا يعلمه أحد إلّا اللّه وأما « الراسخون في العلم » فمبتدأ ، و « يقولون آمنا » خبره وهم لا يعلمون تأويل المتشابه ، بل يؤمنون بظاهره فقط . قلنا : والراسخون في العلم عطف على اللّه « 2 » وهو الأنسب بسياق الآية إذ الإيمان بظاهر المتشابه عام في الراسخين في العلم وغيرهم ، وإنما لا يؤمن به الذي في قلبه زيغ ، سواء كان عالما أو غير عالم . وعلى هذا فيقولون آمنا جملة حالية ، والجملة الحالية إذا كانت مبدوة بفعل مضارع لا يجوز دخول الواو عليه ، نحو جاء زيد يسرع ، وأما الماضي فتجب الواو وقد فيه ، تقول : جاء زيد وقد أسرع . وغير العارف بكلام العرب يستبعد جعل جملة يقولون حالية ويرجح كونها خبرية ، وليس بشئ . ثم أقول : يجوز أن يكون الحال للمعطوف من غير المعطوف عليه مع القرينة ، كقوله تعالى : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً « 3 » ، والنافلة حال من يعقوب خاصة لان النافلة ولد الولد ، وهكذا في الآية السابقة
--> ( 1 ) - سورة آل عمران ، الآية : 7 . ( 2 ) - راجع مقالنا في هذا الموضوع في كتابنا : « سى مقاله » . ( 3 ) - سورة الأنبياء ، الآية : 72 .