أبو الحسن الشعراني

138

المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه

وأما نحن فلا نشك في وقوع هذا النوع من الاستعمال ونسميه مجازا وإن أراد أحد أن لا يسميه إلا حقيقة بالتأويل . وأنكر أهل الظاهر وقوع المجاز في القرآن كما قال ابن الحاجب . « 1 » والمراد من أهل الظاهر من لهم تمسك شديد بالدين من غير بصيرة وتفقّه وتدبّر للأمور كالحشوية من العامة ومنا ، وزعموا أن المجاز ركيك فلا يليق بكلامه تعالى ، ولأنه لا يجوز أن يقال على اللّه إنه متجوز ، ولأنه إنما يصار إلى المجاز عند العجز عن الحقيقة وهو تعالى قادر على كل شئ . وقالوا : إن المجاز كذب وهو منزه عنه ، ولأن المجاز إنما يفهم منه المعنى بالقرينة وربما خفيت فيقع السامع في الخطاء وهو قبيح عليه تعالى . وأنت إذا فتشت ضمائر كثير من العوام وجدتهم يستحسنون أمثال هذه العقائد لمجرد توهم كونها تنزيها للّه عن النقائص ، وترى كثيرا منهم يقول : الإمام أعلى شأنا وأجل قدرا من أن يأتي في كلامه بمبالغة أو مجاز ، بل كل ما يقول هو حقيقة . ولكن في القرآن الكريم كثيرا من المجازات التي لا يمكن تأويلها مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ « 2 » و جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ « 3 » و جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها « 4 » و وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً « 5 » و وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ « 6 » و الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ « 7 » و كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ

--> ( 1 ) - مختصر الأصول ، قال فيه : وهو في القرآن [ واقع ] خلافا للظاهرية . ( 2 ) - سورة يوسف ، الآية : 82 . ( 3 ) - سورة الكهف ، الآية : 77 . ( 4 ) - سورة الشورى ، الآية : 40 . ( 5 ) - سورة مريم ، الآية : 4 . ( 6 ) - سورة الإسراء ، الآية : 24 . ( 7 ) - سورة البقرة ، الآية : 197 .