أبو الحسن الشعراني
89
المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه
فكلمة « ليت » توجد تمنّيا انشائيا يشارك التمني الحقيقي النفساني في الاسم ، ويفارقه في أن التمني الحقيقي قبل التلفظ بليت والإنشائى يوجد بعده ، والأول داع إلى الكلام والثاني مدلول له ، والأول موجود ، وإن لم يتلفظ بشئ ، والثاني لا يوجد بدون اللفظ ، وهكذا الطلب الحقيقي غير الطلب الإنشائى ، فالأول داع إلى الأمر ، والثاني مدلول له ، والأول حاصل قبل الأمر ، والثاني بسبب الأمر وبعده . نقول : هذه كلها نظير الكلام النفساني الذي يقول به الأشاعرة ، وهو غير معقول ، فإن الشئ إما في الخارج وإما في الذهن ، فالطلب أو التمنّى الذي يقولون إنه يوجد باللفظ إما أن يقولوا إنه يوجد في الخارج أو في النفس ، والأول باطل ، والثاني إما أن يكون في نفس السامع أو في نفس المتكلم ، والأول باطل ، إذ لا يوجد في نفس السامع طلب ولا تمن بسماع ما يدل عليهما ، وفي نفس المتكلم أيضا باطل ، إذ الطلب أو التمني كان حاصلا قبل اللفظ ، فوجوده باللفظ تحصيل للحاصل . قال العضد « 1 » في شرح مختصر الأصول في مبحث الأحكام : اعلم أن الخبر كما ستعلم له لفظ ومعنى يدل عليه ، ثابت في النفس ، ومتعلق لذلك المعنى ، يشعر بوقوعه في الخارج ، فإن كان واقعا فصادق ، وإلا فكاذب . ومثله يمكن أن يعلم وقوع متعلقه بطريق غير ذلك الخبر ، وأما الإنشاء نحو « قم » فلا يدل على أن لنفسه متعلقا واقعا ، فلا خارج له عن النفسي يراد إعلامه ، إنما يراد به إعلام النفسي وهو الطلب مثلا ، وذلك مما لا يعلم إلا باللفظ الدال عليه توقيفا .
--> ( 1 ) - شرح مختصر الأصول مخطوط الورق 37 والعضد هو عبد الرحمن بن أحمد المتوفى 756 .