المحقق الداماد
405
المحاضرات ( مباحث اصول الفقه )
موافق له بمعنى القطع بأنه لا يكذب في الاخبار عن رأيه ، فإنه انما ذم عوام اليهود لما رأوا من علمائهم الفسق الظاهر ومع ذلك كانوا يعتمدون على اخباراتهم عن الكتاب ، وكذلك ذم عوامنا الذين يرون من فقهائهم ذلك ويعتمدون على اخبارهم عن آرائهم مع أن ذلك على حذو ساير الاخبار انما يجب التبيين عنه إذا كان المخبر فاسقا ، كما دل عليه قوله تعالى : « إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا » « 1 » الآية . فمعنى قوله : فاما من كان من الفقهاء الخ انه إذا كان الفقيه بهذه الصفات بحيث قطع ان اخباره بان رأيي هكذا موافق للواقع يجوز تقليده مطلقا في الفروع والأصول ، غاية الأمر ان المورد لما كان اخبار اليهود عن الكتاب آثار النبي الأكرم وعلاماته كان بحيث لو قطع صدق المخبر وعدم تعمده على الكذب قطع بالواقع لعدم احتمال خطائه حيث كان منشأ الاخبار امرا محسوسا لا يجري فيه احتمال الخطأ . وهذا بخلاف الفروع فان استنباطها وفهمها عن الأدلة كان متوقفا غالبا على اعمال قوة نظرية ومباد حدسية ، فكان احتمال الخطأ فيها موجودا في الغالب ، وحينئذ فتجويز التقليد فيها عندما قطع بصدق الفقيه في الاخبار دليل على عدم اعتبار الشارع باحتمال خطائه . وهذا عبارة أخرى عن حجية قوله تعبدا وهو المطلوب . والحاصل ان المستفاد من الخبر على ما يعطيه دقيق النظر ان قبول قول الفقيه يتوقف على امرين : الأول ان يقطع بأنه تحمل المشقة وصرف الطاقة في تحصيل الوظيفة . والثاني ان يقطع بأنه صادق في اخباره عن رأيه ولا يتعمد الكذب . ويدل على كلا الامرين اخذ الأوصاف المذكورة في الفقيه من صيانة النفس وحفظ الدين ومخالفة الهوى وإطاعة امر المولى ، فان من كان بهذه المثابة لا يفتى إلّا بعد بذل الوسع في استنباط الحكم ولا يكذب في الاخبار عن فتواه ، بخلاف من لم يكن بتلك المثابة ، فإنه لا يبالي عن الافتاء ولو لم يبلغ إلى حد الأهلية ، فيحرف ما تحمل عن الأئمة ويضع الأشياء على غير مواضعها ووجوهها لجهله وقلة معرفته ، كما ينظر اليه قوله عليه السّلام « لان الفسقة يتحملون عنا
--> ( 1 ) - سورة الحجرات - الآية 6 .