المحقق الداماد

384

المحاضرات ( مباحث اصول الفقه )

السابقة واللاحقة قطعا للمجتهد ومقلديه ، إذ ما من مجتهد الا ويشك عادة بعد ما استقر رأيه على شيء في صحة مباني اجتهاده واستنباطه ، إذ قلما يتفق ان يكون المجتهدون بعد ما فرغوا عن استنباط حكم المسألة عالمين بمدارك استنباطهم في تلك المسألة ، بل كثيرا ما كانوا مذهول عن نفس فتاويهم فضلا عن مداركها ، بل هو الحال بحسب العادة في الأوحدي منهم ، نظير محمد بن مسلم وزرارة فضلا عن غيرهم . واتفاق مجتهد يعلم من حاله ان فهمه لا يزيد عما استقر عليه رأيه وان كان بمكان من الامكان بل الوقوع ، إلّا انه أقل قليل خارج عن الافراد المتعارفة الذين يقوى ملكة الاجتهاد فيهم لا يزال بسبب المزاولة وكثرة المحاسبة . ولذا ترى تغير آرائهم في كتابين لمجتهد واحد بل في كتاب واحد في باب وباب . وهذا واضح . وبالجملة نوع المجتهدين كانوا إذا دخلوا في استنباط حكم مسألة غافلين عن حكم مسألة أخرى ومداركها ، وحينئذ يعرض لهم الشك فعلا في صحة اجتهادهم السابق وصحة مداركها . والشك في ذلك مساوق لاضمحلال الرأي وعدم وجوده فعلا ، وهذا لو اثر في عدم حجية الرأي السابق كما قد يتوهم بتخيل انه لا دليل على حجية القطع السابق بالحكم أو بالوظيفة في ترتيب الآثار عليه في اللاحق ولا قطع بأحد الامرين فعلا كي يكون حجة له بحكم العقل فيلزمه الاحتياط أو تجديد النظر وتحصيل القطع ، لأدى إلى اختلال النظام والهرج والمرج ، بل قام الاجماع قولا وعملا على خلافه ، بل طريقة كل العقلاء على ترتيب الآثار على قول أهل الخبرة وتشخيصهم في الأمور الراجعة إليهم ولو طال الزمان بحيث غفل الخبير عن مدرك تشخيصه ، فإنه لو عين خبير بقيمة الأراضي قيمة الدار مثلا بحسب مداركه التي يستعملها يرتبون عليه الآثار ويتمشون على طبقه ولو ذهل عن المدارك بعد ، وهكذا الامر في الطبيب الذي عين دواء للمريض ، والأمثلة كثيرة ، بل لا يرى من طريقتهم الفرق بين الميت والحي في اتباع الرأي وترتيب الآثار . ولولا الاجماع على اخراج تقليد الميت ابتداء عن تحت الحكم المذكور المستفاد من طريقة العقلاء لكان المتجه جواز تقليد الميت أيضا كالحي ، فانقدح ان زوال الرأي إذا كان بهذا الوجه لا يضر ولا يؤثر في عدم حجية الرأي السابق ، لا بالنسبة إلى الأعمال السابقة ولا اللاحقة ، لا بالنسبة إلى المجتهد ولا مقلديه ، فافهم واستقم .