الشيخ مرتضى الحائري
54
مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام
بذلك شبهة التعارض ، لأنّها مبنيّة على أنّ مقتضى الاستصحاب العدميّ عدم وجوب الجلوس بعد الزوال مطلقاً لا بنحو التقييد ولا بنحو الظرفيّة ولو بأن يكون باقياً من الوجوب السابق ، فالشبهة باقية بحالها ، فلا بدّ إمّا من التسليم كما وقع ذلك من بعض أعلام العصر كان اللَّه له كما في تقريره « 1 » ، وإمّا من دفعها بغير ما مرّ . ويمكن دفع الشبهة بعونه تعالى في الأحكام التكليفيّة بأنّ ما به قوام الحكم الإلهيّ هو الإرادة الإلهيّة أو كراهته جلّ وعلا بأيّ معنىً تصوّر ذلك ، ولا أثر للجعل في ما به قوام الإطاعة والمعصية والمثوبة والعقوبة . فلو علم عبدٌ بتعلّق إرادته تعالى بشيء ولو من طريق الكشف أو النوم وعلم بعدم جعلٍ على طبقه بتوسيط جبرائيل عليه السلام أو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يجب عليه الإطاعة ، كما أنّه لو علم بالجعل لبعض المصالح فيه وعلم بعدم وجود الإرادة اللبّيّة على طبقه لم يكن عليه تكليف . وهذا واضح عند العقل . ولا شكّ أنّ الحكم بهذا المعنى قديم ، فإنّ الجلوس بعد الزوال في المثال إن كان مورداً لتعلّق الإرادة الإلهيّة كان كذلك قديماً ، لاستحالة البداء ، وإلّا كان كذلك قديماً فليس لاستصحاب عدم الحكم بالمعنى الحقيقيّ حالة سابقة متيقّنة فلا يجري استصحاب عدم الوجوب من أوّل الأمر . والمثال الّذي يمكن أن يكون مورداً للابتلاء هو الوقوف بعرفات بعد غروب الشمس وقبل ذهاب الحمرة المشرقيّة . إن قلت : فعلى هذا لا شكّ في أصل الوجوب فلا يمكن استصحاب عدمه . قلت : الّذي لا يمكن استصحاب عدم الوجوب بمعنى الإرادة اللبّيّة المتعلّقة بحال الابتلاء ، وأمّا استصحاب عدم الوجوب الفعليّ الخارجيّ الثابت قبل البلوغ فلا مانع منه . إن قلت : يمكن استصحاب عدم الجعل فيحكم بعدم الإرادة اللبّيّة ، إذ لو كانت الإرادة اللبّيّة لكان الجعل على طبقها ، فإنّه لو حصل اليقين بعدم جعل من جانب
--> ( 1 ) مباني الاستنباط ( تقريراً لبحث آية اللَّه العظمى الخوئيّ قدس سره ) : ج 4 ص 69 .