الشيخ مرتضى الحائري
90
مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام
العلم مانع من جريان البراءة . وكفاية تحقّق التكليف سابقاً لاستحقاق العقوبة بالنسبة إلى ترك المأمور به في اللاحق واضح ، فإنّ المتوسّط في الأرض المغصوبة كان مكلّفاً قبل الغصب بترك الغصب الّذي منه الخروج ، وبعد التوسّط لا يكون الخروج منهيّاً عنه فعلًا لكنّه معاقب عليه بالنهي السابق الساقط . إن قلت : التكليف السابق بالنسبة إلى الزمان اللاحق لم يكن إلّا مشروطاً بترك المأمور به قبله ، والفرض احتمال الإتيان بالمأمور به ، فلا يقطع بتعلّق التكليف الفعليّ بالنسبة إلى الزمان اللاحق . قلت : التوسعة في الوقت ليست عقلًا إلّا نظير التوسعة في الأفراد ، فكما أنّ التوسعة في الأفراد ليس مرجعها إلى الواجب المشروط وإلّا لكان اللازمُ في ما إذا أمر بإحضار رجل وجاء المكلّف برجلين عدمَ كون ما أتى به امتثالًا للأمر بناءً على اشتراط وجوب كلّ واحد من الرجال بعدم الإتيان بالآخر ، وهو واضح البطلان . وهذا يرشد إلى عدم رجوع التوسعة إلى الاشتراط . إن قلت : لا يمكن القول بالبراءة ، لتعارض دليل البراءة مفهوماً ومنطوقاً ، فباعتبار أنّه مشكوك التكليف بقاءً مرفوع العقاب ، لكونه مشمولًا ل « ما لا يعلمون » وباعتبار كونه معلوماً تعلّق التكليف به سابقاً غير مرفوع العقاب ، فحيث تعارض دليل البراءة الشرعيّة يرجع إلى ما يحكم به العقل . قلت : حديث « رفع عن امّتي . . . ما لا يعلمون » ( 1 ) لا يقتضي إلّا عدم العقاب بلحاظ احتمال التكليف الفعليّ ، ومن المعلوم أنّ الحكم بعدم الرفع ليس إلّا من جهة العلم بتعلّق التكليف سابقاً ، فلا تعارض بين أن يقال : إنّه لا تبعة على المكلّف من جهة احتمال التكليف فعلًا وأن يقال : إنّه يستحقّ العقاب من جهة العلم بتعلّق التكليف به سابقاً . هذا كلّه شرح الاشتغال على الفرض المذكور الّذي يجري على كلا القولين من جهة حكم العقل .
--> ( 1 ) وسائل الشيعة : ج 11 ص 295 ح 1 من ب 56 من أبواب جهاد النفس .