الشيخ مرتضى الحائري
68
مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام
وقد علم ممّا ذكرناه أنّه إذا كان قاصداً للتفهيم وملتفتاً إلى الوضع والقرينة فالتخلّف محال ، وليس ذلك مربوطاً بمقام الحكمة ، فإنّ عدم إقامة القرينة مع عدم الغفلة ووجود إرادة التفهيم يكون من باب تخلّف المعلول عن علّته التامّة ، وهي في المقام الإرادة أو هي مع عدم المانع المفروض ، فهي وعدم القيد في مقام البيان ليست من أجزاء مقدّمات الحكمة بل من مقدّمات الحياة ، فإنّ كلّ حيوان متحرّك بالإرادة ولا يعمل على خلاف مقتضى إرادته عمداً ، لأنّه خلف . ومنها : أنّ الحمل على المعنى الحقيقيّ حتّى مع القطع بعدم القرينة في جميع الموارد غير واضح ، وكذا مع احتمال اكتناف الكلام بها ، وقد عرفت أنّه لو كان الدوران والترديد من باب خصوصيّة في المتكلّم فالحمل على الحقيقة مشكل . ومن هنا يمكن إيراد شبهة في المقام ، وهي أنّه عرف من حال الشارع المقدّس أنّ عموماته تخصّص ومطلقاته تقيّد ، فحينئذٍ كيف تحمل على العموم والإطلاق ولو بعد الفحص عن المخصّص وبقاء الاحتمال ؟ ويمكن دفعها بأنّها وردت لإعطاء الحجّة للمكلّف ، وعليه فيمكن التمسّك بها . هذا تمام الكلام في ما كان الدوران لاحتمال وجود القرينة . وأمّا إذا كان لقرينيّة الموجود فنقول : لو فرض القطع بكون المتكلّم في مقام التفهيم بالنسبة إلى الجهة المشكوكة - من أصل المعنى أو سعته وضيقه - وعدمِ غفلته عن إقامة القرينة الواضحة من الصريحة أو الظاهرة وعلمِه بأنّ ما في الكلام ليس له ظهور وصراحة في صرف المعنى عن حقيقته فلا ريب أنّه يقطع بعدم كون ما في الكلام قرينة على الصرف عن الحقيقة ، لأنّ المفروض هو القطع بأنّه كان في مقام التفهيم ، ومقتضى ذلك أنّه لو أراد غير المعنى الحقيقيّ لجاء بالقرينة الصريحة أو الظاهرة ، ولم يأت بها في الكلام ، فلا يكون المعنى المجازيّ مراداً . ويكفي لإرادة المعنى الحقيقيّ الوضع مع عدم القرينة على المجاز ، فيحمل على المعنى الحقيقيّ بالقطع واليقين . والظاهر أنّ القطع أو الاطمينان النوعيّ حاصل في ما ورد عن الشرع بقيدين :