الشيخ مرتضى الحائري

52

مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام

النائينيّ روّح اللَّه روحه الشريف من كون المعاني الحرفيّة مغفولًا عنها ( 1 ) غير واضح بل الصحيح خلافه ، فإنّ المعاني الحرفيّة تقع مورداً للتكليف كما في قوله : « صلّ في الظهر » أو « صم في شهر رمضان » فكيف يكون مغفولًا عنها ؟ ! بل قد يتعلّق الغرض بالإخبار عنها بالخصوص كما في قولنا « زيدٌ على السطح » فإنّ زيداً معلوم والسطح أيضا معلوم وإنّما المقصود الإخبار عن الارتباط الخاصّ بين زيد والسطح فكيف يكون مغفولًا عنه ؟ ! قال قدس سره في تقريره : الرابع : أن يكون المعنى حين إيجاده مغفولًا عنه ، وهذا لازم كون المعنى إيجاديّاً وكون موطنه الاستعمال ، بداهة أنّه لو كان ملتفتاً إليه قبل الاستعمال أو حين الاستعمال لما كان الاستعمال موطنه بل كان له موطن آخر غير الاستعمال ، إذ لا يمكن الالتفات إلى شيء من دون أن يكون له نحو تقرّر في موطن ، فحيث إنّه ليس للمعنى الحرفيّ موطن غير الاستعمال فلا بدّ من أن يكون مغفولًا عنه نظير الغفلة عن الألفاظ حين تأدية المعاني بها ( 2 ) . انتهى ملخّصاً . وفيه أوّلًا : أنّ الوجدان أصدق شاهد على تقرّر المعنى الحرفيّ مع قطع النظر عن الاستعمال ، فهو متقرّر في الذهن كالمعنى الاسميّ قبل الاستعمال ، لأنّا نتصوّر قيام زيد قبل التلفّظ به وكذا السير من البصرة إلى الكوفة قبل استعمال اللفظ فيه . نعم ، بعض المعاني كالنداء يوجد بنفس التكلّم الاستعماليّ ، وهذا ليس مختصّاً بالحروف ولا من شأن الحرف بما هو حرف بل ذلك شأن الإنشاء ؛ فالقسم أو النداء سواء أنشئ بالمعنى الحرفيّ كالواو والياء أو أنشئ بالمعنى الاسميّ كاقسم وأنادي يوجد بنفس التكلّم ، وذلك غير مربوط بكون المعنى حرفيّاً بل ليس ذلك إلّا من باب أنّه قصد به الإيجاد . وثانياً : أنّ كون المعنى ممّا يوجد عند الاستعمال لا يوجب امتناع الالتفات إليه قبل حصوله في وعائه ، فإنّا نتصوّر ما يوجد بعداً في وعائه قبل حصوله بالضرورة . وثالثاً : سلّمنا عدم الالتفات إليه قبل الاستعمال فما البرهان على امتناع الالتفات إليه حين الإيجاد والاستعمال ؟

--> ( 1 ) فوائد الأصول : ج 1 ص 45 . ( 2 ) فوائد الأصول : ج 1 ص 45 .