الشيخ محمد تقي بهجت
53
مباحث الأصول
الاستدلال بالدور والخلف لإثبات الاستحالة والجواب عنهما وقد استدلّ للاستحالة هنا بالدور ، وفيه : أنّ المقطوع هو المعلوم بالذات ، وهو المتقدّم على القطع طبعا ، والمتأخّر عنه وحكمه هو المعلوم بالعرض ، ولا توقّف فيهما ، للانفكاك من الطرفين ، فليس هناك وجود واحد يكون موقوفا وموقوفا عليه . واستدلّ أيضا بالخلف إمّا واقعا أو في نظر القاطع ؛ فإنّ مقتضي تعلّق القطع بالحكم تقدّمه على القطع المتقدم على حكمه ، ومقتضى الحكم تأخره عنه ، فيلزم تأخّر ما فرض تقدّمه ، أعني التأخّر رتبة لما فرض تقدّمه طبعا ؛ وكذا القاطع يرى الحكم سابقا على قطعه المتعلّق به سبق المتعلّق على المتعلّق ، فلا يمكن رؤيته لاحقا للقطع وحكما له متأخّرا عنه تأخّر الحكم عن موضوعه . وفيه : أن القاطع لا يرى سوى مقطوعه ؛ وإنّما يرى قطعه حين إرادة الامتثال للحكم المأخوذ فيه القطع ، وهو كجاعل الحكم في ذلك ليس المتقدّم على القطع عندهما إلّا ماهيّة الحكم ، وهو المقطوع بالذات ، والمتأخّر عنه وجوده ، فلا خلف ، كما يظهر من اختلاف التقدّم والتأخّر فيهما ؛ فإنّه طبعي في أحدهما ورتبي في الآخر ، ولا يلزم الرؤية في مرتبتين ، لما مرّ من عدم التفات القاطع بما هو كذلك إلى غير مقطوعه ، وبما هو ممتثل يراه شيئا غير مقطوعه ذاتا ، والحكم العقلي لجهة التغاير بين الوجود والماهيّة حين الالتفات إليه . ويمكن أن يقال : في الجواب : بأنّ متعلّق القطع الحكم الجعلي الإنشائي ، والثابت بالقطع الموضوعي - كسائر قيود الموضوع - مرتبة فعليّة الحكم ، فلا عينيّة بين المرتبتين . وفيه : أنّ مرجع التقييد إلى الأخذ في مقام إنشاء الحكم لموضوعه