الشيخ محمد تقي بهجت
47
مباحث الأصول
ولو فرض أنّ الشارع سكت عن اعتبار الطريق ولا اعتباره ، لم يفت منه بعد إعلام التكليف على الوجه الذي لو فحص عنه بالطرق العقلائية لوصل إليه ، شيء من أغراضه ، من دون فرق بين التقرير أو الرّدع ؛ فإنّهما إرشاد إلى البيان والوصول على الوجه العقلائي وعدمه من دون تعبّد تشريعي في هذه المرحلة ، بل يمكن أن يكون السكوت كشفا عن الإمضاء ، لأنّه عليه حفظ مصالحه في ما من قبله ؛ فلو لم يكن السكوت محمولا على إمضاء طريقة العقلاء ، كان مفوّتا لأغراضه في ما من قبله . فانّ الباقي بعد التكليف الواصل بتلك المرتبة ، ليس إلّا الامتثال ؛ وبيان الشرع في ذلك المقام ليس إلّا الإرشاد ، لأنّ الأمر حينئذ بيد العقل ؛ فبيان وجوب العمل بخبر العدل وعدم المعذوريّة معه ، إرشاد إلى الوصول بسببه على الوجه العقلائي ؛ كما أنّ المنع عن القياس إرشاد إلى عدم الوصول ، وأنّه من تخيّل الوصول ببيان وجهه بما لا يتوقّف فيه عاقل من أنّ العمل بالقياس وإسراء الحكم مع عدم الاطّلاع على الملاك المربوط بالنشأتين جهل وضلالة ، ومحو لأساس الشريعة ، وأنّه كقياس إبليس المضلّل له . ويرشد إليه أنّ التعبّد لو كان ، فهو عندهم طريقي ومحافظة على الواقع ، ليس فيه عقوبة ولا مثوبة سوى ما على الواقع ، وما عليه كان ثابتا ، كان هذا التعبّد أو لم يكن . وإذا لم يكن بيان من الشرع بأن اكتفى على ما هو عليه العقلاء في إثبات التكاليف ، لم يكن محذور في ما استمرّ عملهم على ما هو الصواب من معاملة القطع مع الطريق العقلائي الثابت طريقيّته حتى عند رئيس العقلاء وهو الشارع ، وأمّا في ما رأى الناس عاملين بما لا ينبغي الركون إليه كالقياس ، فعليه إرشادهم إلى ما ينبّههم على خطأهم في اعتقادهم في التشخيص .