الشيخ محمد تقي بهجت
92
مباحث الأصول
إلّا أن يقال - في جعل الاستعمال وضعا - : إنّه يدلّ عليه مقدّمات الحكمة فيما لا علاقة مصحّحة للتجوّز ، لكنّه ينحصر في مورد عدم العلاقة المصحّحة لقرينة المجاز ؛ وأمّا أصل القرينة فمفروض ، وإلّا لم يعلم إرادة ما يحتمل الوضع له بالاستعمال ، أو يتعيّن ذلك ، لانتفاء شرط التجوّز ؛ وكذا يمكن ذلك في مورد عدم الوضع السابق ، فإنّه لا محلّ للتجوّز حينئذ . فالاستعمال مع القرينة على المراد ، يكشف عن الوضع المكشوف بلازمه ، أعني الاستعمال مع عدم المحلّ للتّجوز فيه ؛ فالاستعمال من الحكيم الملاحظ لآداب المحاورة ، يكشف عن الوضع ، وحيث لا وضع سابقا فهو مقارن ؛ وذلك ، بعد تسلّم معقوليّة جعل الملزوم بجعل اللّازم ، كما في نظائر المقام ، مثل قول المالك البائع « أعتق عبدي عنك بكذا » ايجابا ، وقول المشتري : « أعتق عبدك عنّي بكذا » قبولا ؛ فيمكن أن يكون الوضع الاعتباري منشئا بالاستعمال ومحقّقا به مقارنا له ، وإن كان صحّة الاستعمال وموافقته لقانون الوضع ، متوقّفا عليه ، كتوقّف صحّة الاعتاق على التملّك . ( تفرقة بين القرينة على الوضع والقرينة على المجاز ) ثمّ إنّه سبق : أنّ القرينة على كون المستعمل في مقام الوضع وإن توقّفت على تعيين المراد في مقام الاستعمال ، إلّا أنّها ليست قرينة على المجاز ، لمكان تحقّقها فيما لا علاقة فيه بين المعنى اللغوي والمراد ، بل مع عدم سبق الوضع رأسا ومع إرادة الوضع الثاني الاشتراكي الفاقد للعلاقة ؛ بل قرينة المجاز ، للصّرف عن اللغوي والإثبات في المجازي والتعيين فيه ؛ فهي قرينة على الاستعمال في فرد من الموضوع له النوعي ؛ وقرينة إرادة الوضع للمعنى ، قرينة على تأسيس المعنى ، فلا يقاس إحداهما بالأخرى .