سعيد أيوب
461
الانحرافات الكبرى
يده للبيعة . كان قد مضى على وفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ربع قرن تقريبا . وخلال هذه المدة لم ترو الأحاديث لتعريف المسلمين بفضائل أهل البيت . ونتيجة لهذا فإن مساحة عريضة من شباب المسلمين حينئذ لم يكن لديهم أدنى معرفة بعلي بن أبي طالب عليه السلام . ويبدو هذا بوضوح في تخاذل قواته فيما بعد في تنفيذ أوامره . فالشباب نشأ في عصر الفتوحات حيث المال والتنافس والجور . ولقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الثقافة في قوله . " لا يلبث الجور بعدي إلا قليلا حتى يطلع . فكلما طلع من الجور شئ ذهب من العدل مثله حتى يولد في الجور من لا يعرف غيره . ثم يأتي الله تبارك وتعالى بالعدل فكلما جاء من العدل شئ . ذهب من الجور مثله حتى يولد في العدل من لا يعرف غيره " ( 76 ) باختصار كان أمير المؤمنين يقف في دائرة مملوءة بالغرباء . وكان من أقواله في هذه الدائرة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم . " طلب الحق غربة " ( 77 ) لقد كان عليه أن يواجه الرؤوس ولكن القاعدة التي سيستند عليها في معظم الأحوال لم يسهر عليها ولم يربيها بنفسه . وأمام هذه الحقيقة عندما طالب الصحابة بمبايعته تردد في أول الأمر . ليس خوفا من الموقف . وإنما لعلمه أن تقدمه سيفتح بابا إلى الجنة وبابا إلى النار . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سئل : من يحمل رأيتك يوم القيامة يا رسول الله ؟ قال . " من يحسن من يحملها إلا من حملها في الدنيا علي بن أبي طالب ) ( 78 ) لقد كان أمير المؤمنين يجد الطريق طويل وعليه يسقط الكثير وهذا ما كان يحزنه . لكنهم عندما أصروا على مبايعته قبلها ومما ذكره الطبري : فأتاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فقالوا : إن هذا الرجل قد قتل ولا بد للناس من إمام . ولا نجد اليوم أحق بهذا الأمر منك . لا أقدم سابقة ولا أقرب من رسول الله . فقال . لا تفعلوا فإني أكون وزيرا خير من أن أكون أميرا . فقالوا لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك . قال : ففي المسجد فإن لا تكون خفيا ولا تكون إلا عن رضى المسلمين . وروي بسند آخر : ( فجاء فصعد المنبر . فاجتمع الناس إليه .
--> ( 76 ) رواه أحمد ( الزوائد : 196 / 5 ) . ( 77 ) رواه ابن عساكر عن علي ( كنز العمال : 239 / 1 ) . ( 78 ) رواه الطبراني ( كنز العمال : 136 / 12 ) .