الشيخ الأصفهاني

31

نهاية الدراية في شرح الكفاية ( ط . ج )

وأما عدم كونه من التّجربيّات والمتواترات والحدسيّات ، ففي غاية الوضوح . فثبت أن أمثال هذه القضايا غير داخلة في القضايا البرهانيّة بل من القضايا المشهورة . وأما حديث كون حسن العدل وقبح الظلم ذاتيا : فليس المراد من الذاتي ما هو المصطلح عليه في كتاب الكلّيات ، لوضوح أن استحقاق المدح والذم ليس جنسا ولا فصلا للعدل والظلم . وليس المراد منه ما هو المصطلح عليه في كتاب البرهان ، لأن الذاتي هناك ما يكفي وضع نفس الشيء في صحة انتزاعه منه ، كالإمكان بالإضافة إلى الانسان مثلا وإلّا لكان الإنسان في حد ذاته إمّا واجبا أو ممتنعا . ومن الواضح بالتأمل أن الاستحقاق المزبور ليس كذلك ، لأن سلب مال الغير مثلا مقولة خاصة بحسب أنحاء التصرف : وبالإضافة إلى كراهة المالك الخارجة عن مقام ذات التصرف ينتزع منه أنه غصب . وبالإضافة إلى ترتّب اختلال النظام عليه بنوعه وهو أيضا خارج عن مقام ذاته ينتزع منه أنه مخل بالنظام وذو مفسدة عامّة ، فكيف ينتزع الاستحقاق المتفرع على كونه غصبا وكونه مخلا بالنظام عن مقام ذات التصرف في مال الغير ؟ بل المراد بذاتية الحسن والقبح كون الحكمين عرضا ذاتيّا ، بمعنى أن العدل بعنوانه والظلم بعنوانه يحكم عليهما باستحقاق المدح والذم من دون لحاظ اندراجه تحت عنوان آخر . بخلاف سائر العناوين ، فإنها ربما تكون مع حفظها معروضا لغير ما يترتب عليه لو خلى ونفسه كالصدق والكذب ، فإنهما مع حفظ عنوانهما في الصدق المهلك للمؤمن والكذب المنجي للمؤمن يترتب استحقاق الذم على الأول بلحاظ اندراجه تحت الظلم على المؤمن ، ويترتب استحقاق المدح على الثاني لاندراجه تحت عنوان الإحسان إلى المؤمن ، وإن كان لو خلى الصدق والكذب ونفسهما