الشيخ الأصفهاني

58

نهاية الدراية في شرح الكفاية ( ط . ج )

ولو تنزلنا عن ذلك ، وتصورنا ارتباط الإرادة بشيء ، فلا محالة لا توجد الإرادة إلّا بعد وجود ما أنيطت به ، وليس حالها كالبعث حتى يمكن تعليقها فعلا على شيء استقبالي . وتوهم : إمكان إرادة شيء في ظرف فرض مجيء زيد لا مطلقا . مدفوع : بأنّ الإرادة التكوينية علّة تامّة للحركة نحو المراد ، فمع عدم تحقق المفروض لا يعقل انقداحها في النفس ، والإرادة التشريعية وإن كانت بنفسها علة ناقصة إلّا أنها لا بدّ من أن تكون بحيث إذا انقاد المأمور لما امر به كانت علّة تامّة للمراد . نعم الشوق المطلق يمكن تعلقه بأمر على تقدير ، لكنه ليس من الإرادة في شيء ، بل التقدير بالدقّة تقدير المراد ، لا تقدير الإرادة ، وإلّا لما وجد الشوق المنوط به لأنّ تقيّد شيء بشيء ليس جزافا ، ومجيء زيد لو كان له دخل لكان في مصلحة المراد ، أو في مصلحة فعل المريد وهو الايجاب . وأما الإرادة والشوق فليسا من الأفعال ذوات المصالح والمفاسد ، بل صفات نفسانية تنقدح في النفس عقيب الداعي ، فلا يعقل إناطتهما جعلا بشيء . ومنه تبيّن حال البعث الحقيقي : فإنه الإنشاء بداعي جعل الداعي ، بحيث لو مكّن المكلّف من نفسه كان علّة تامة للانبعاث . نعم ، الإنشاء بداعي جعل الداعي مرتّبا على مجيء زيد معقول ، فإنه في الحقيقة ليس داعيا وباعثا فعلا ، بل عند مجيء زيد يتصف بحقيقة الباعثية ، وبملاحظة هذا الإنشاء كلّما فرض مجيء زيد يفرض مصداقية البعث الانشائي للبعث الحقيقي ، وكلما تحقق مجيء زيد صار الانشاء معنونا بعنوان البعث تحقيقا . فاتضح مما فصلنا القول فيه : أن البعث الحقيقي ثابت قبل وجود قيده