الشيخ محمد تقي الفقيه
110
البداية والكفاية
والابتلاع فعل من أفعال العطشان الاختيارية ، فالمراد إذا لم يتحقق إلا بعد سلسلة طويلة من الأفعال الاختيارية الكثيرة المتخللة بين الإرادة والمراد . ويستحيل عقلا تخلل الإرادات الاختيارية بين العلل الفاعلية ومعلولها بالضرورة لأنهما واحد خارجا حقيقة كالنار والإحراق والكسر والانكسار ، وقد أوضحنا ذلك في ما مضى من هذه الفوائد . ومما ذكرناه يتضح تخلل عدة إرادات بين الإرادة والمراد في نفس المريد ومن غيره ، فهل يتعقل بعد هذا نظرية عدم تخلّف المراد عن الإرادة . نعم هاهنا سلسلة معدات تشبه العلل يتخيلها الغافل عللا . ويدل على ذلك أوضح دلالة أن علم اللّه سبحانه ذاتي ، وأن المصالح والمفاسد حاضرة لديه في التكوينيات والتشريعيات ، وذلك كله يستدعي حصول الإرادة ، ولا ريب أنه يريد . ولو كانت إرادته علة للمراد بدون توسط الفعل الاختياري اللاحق بذاته لزم سلب الاختيار عنه تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، مع أن الاختيار عندهم صفة من صفاته الثبوتية ، ولكنّ الصواب أن الاختيار وإرادة الفعل بيده ، غاية الأمر أنه إذا أراد أن يفعل فعل ، فإذا أراد إيجاد شيء وجد ، والإيجاد والوجود شيء واحد كالفعل والانفعال والكسر والانكسار والنار والإحراق ، فهو نظير مشمشية المشمش وحجرية الحجر . والحمد للّه على كمال توحيده لأن كمال توحيده نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف ، فما ذكره المتكلمون من الصفات الثبوتية غير واضح كما حققناه في أوراق تابعة لكتابنا الإسلام الكامل ، وبالجملة نحن نقرّ بأننا لا ندرك إلا اليسير من أسرار الموجودات واللّه سبحانه أسمى من الموجود والوجود . والحمد للّه رب العالمين .