المقريزي

64

إمتاع الأسماع

حدثني أنه ركب في سفينة بحرية ، مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام ، فلعب بهم الموج شهرا في البحر ، ثم [ أرفأوا ] إلى جزيرة في البحر ، حيث مغرب الشمس ، فجلسوا في أقرب السفينة ، فدخلوا الجزيرة ، فلقيتهم دابة أهلب ، كثير الشعر ، لا يدرون ما قبله من دبره ، من كثرة الشعر ، فقالوا : ويلك ما أنت ؟ فقالت : أنا الجساسة ، فقالوا : وما الجساسة ؟ قالت : أيها القوم ، انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير ، فإنه إلى خبركم بالأشواق ، قال : لما سمت لنا رجلا ، فرقنا منها أن تكون شيطانا ، فانطلقنا سراعا حتى أتينا الدير ، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقا ، وأشده وثاقا ، مجموعة يداه إلى عنقه ، ما بين ركبتيه بالحديد إلى كعبيه ، قلنا : ويلك ! ما أنت ؟ قال : قد قدرتم على خبري ، فأخبروني ما أنتم ؟ قالوا : نحن أناس من العرب ، ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين [ اغتلم ] ، فلعب بنا الموج شهرا ، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه ، فجلسنا في أقربها ، فدخلنا الجزيرة ، فلقيتنا دابة أهلب ، كثير الشعر ، لا ندري ما قبله من دبره من كثرة الشعر ، فقلنا : ويلك ! ما أنت ؟ فقال : الجساسة ، فقلنا : وما الجساسة ؟ قالت : اعبروا إلى هذا الرجل في الدير ، فإنه إلى خبركم بالأشواق ، فأقبلنا إليك سراعا ، وفزعنا منها ، ولم نأمن أن تكون شيطانا . قال : أخبروني عن نخل بيسان ، قلنا : عن أي شأنها تستخبر ؟ قال : أسألكم عن نخلها ، هل يثمر ؟ فقلنا له : نعم ، قال : أما إنه توشك ألا يثمر ، قال : أخبروني عن بحيرة طبرية ، قلنا : عن أي شأنها تستخبر ؟ قال : هل فيها ماء ؟ قالوا : هي كثيرة الماء ، قال : أما إن ماءها يوشك أن يذهب . قال : أخبروني عن عين زغر ؟ قالوا : عن أي شأنها تستخبر ؟ قال : هل في العين ماء ؟ وهل يزرع أهلها بماء العين ؟ قلنا له : نعم ، هي كثيرة الماء ، وأهلها يزرعون من مائها ، قال : أخبروني عن نبي الأميين ما فعل ؟ [ قالوا ] : أخرج من مكة ، ونزل يثرب ، قال : أقاتله العرب ؟ قلنا : نعم ، قال : كيف صنع بهم ؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه ، قال لهم : قد كان ذلك ؟ قلنا له : نعم ، قال : أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه ، وإني مخبركم عني : إني أنا المسيح [ الدجال ] ، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج ، فأخرج فأسير في الأرض ، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين