المقريزي
40
إمتاع الأسماع
ومعلوم أن من كان بهذه المنزلة ، وهو مع ذلك قد انتصب لدعوة الناس إلى دينه ، لم يجز بوجه من الوجوه أن يقول للناس : ائتوا بسورة من مثل ما جئتكم به من القرآن ، ولن تستطيعوا أن تأتوا بذلك ، فإن أتيتم به فأنا كاذب ، وهو يعلم من نفسه أن القرآن لم ينزل عليه ، ولا يأمن أن يكون في قومه من يعارضه ، وأنه إن عارضه أحد بطلت دعوته . فكان هذا دليل قاطع ، على أنه صلى الله عليه وسلم لم يقل للعرب : ائتوا بمثله إن استطعتموه ، ولن تستطيعوه ، إلا وهو واثق متحقق أنهم لا يستطيعونه ، ولا يجوز أن يكون هذا اليقين وقع له إلا من قبل ربه الذي أوحى إليه به ، حتى إنه وثق بخبره ، ويؤيد ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : ( فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين ) . وطالت النظرة والمهلة لهم في ذلك ، ووقائعه لهم تتواتر ، ومحاربته لهم لا تزال : فيقتل صناديدهم ، ويسبي ذراريهم ، ونساءهم ، ويأخذ أموالهم بالقوة ، فلم يتعرض أحد لمعارضته ، ولو قدروا عليها ، لافتدوا بها أنفسهم ، وأولادهم ، وأهاليهم ، وأموالهم ، ولكان الأمر في ذلك قريبا سهلا عليهم ، إذ هم أهل اللسن ، والفصاحة ، والشعر ، والخطابة . فلما لم يأتوا بذلك ، ولا ادعوه صح أنهم كانوا عاجزين عنه ، وفي ظهور عجزهم بيان أنه في العجز مثلهم ، إذ كان بشرا مثلهم ، لسانه لسانهم وعاداته عاداتهم ، وطباعه طباعهم ، وزمانه زمانهم ، وإذ كان كذلك ، وقد جاء بالقرآن ، وجب القطع بأنه من عند الله تعالى ، لا من عنده صلى الله عليه وسلم . فإن أورد ملحد أسجاع مسيلمة ، قيل له : إنما كان الذي جاء به مسيلمة ، لا [ يعدو ] أن يكون إلا مجالا ، أو سرقه ، أو كأسجاع الكهان ، وأراجيز العرب ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو أحسن لفظا ، وأقوم معنى ، وأبين فائدة ، من أسجاع مسيلمة ، ومع ذلك فلم تقل له العرب : يا محمد ، أما أنت تتحدانا على الإتيان بمثل [ القرآن ] ، وتزعم أن الإنس والجن لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله لم يقدروا عليه ، ثم قد جئت بمثله ، فما هو إلا مفترى ، إنه ليس من عند الله ، وذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :