المقريزي

344

إمتاع الأسماع

وخرج البخاري من حديث سفيان عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة رضي الله تبارك وتعالى عنهم قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : اكتبوا إلى من تلفظ بالإسلام من الناس ، فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل ، فقلنا : نخاف ونحن ألف وخمسمائة ، ولقد رأيتنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف ( 1 ) ؟

--> ( 1 ) ( فتح الباري ) : 6 / 218 ، كتاب الجهاد والسير ، باب ( 181 ) ، كتابة الإمام الناس ، حديث رقم ( 3060 ) . قوله : ( اكتبوا من تلفظ بالاسلام ) في رواية أبي معاوية عن الأعمش عند مسلم " أحصوا " بدل " اكتبوا " ، وهي أعم من اكتبوا ، وقد يفسر أحصوا باكتبوا . قوله : ( فقلنا نخاف ) هو استفهام تعجب وحذفت منه أداة الاستفهام وهي مقدرة ، وزاد أبو معاوية في روايته " فقال : " إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا ، وكأن ذلك وقع عند ترقب ما يخاف منه ، ولعله كان عند خروجهم إلى أحد أو غيرها . ثم رأيت في شرح ابن التين الجزم بأن ذلك كان عند حفر الخندق وحكى الداودي احتمال أن ذلك وقع لما كانوا بالحديبية لأنه قد اختلف في عددهم ، هل كانوا ألفا وخمسمائة ؟ أو ألفا وأربعمائة ؟ . وأما قول حذيفة : " فلقد رأيتنا ابتلينا الخ " فيشبه أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع في أواخر خلافة عثمان من ولاية بعض أمراء الكوفة ، كالوليد بن عقبة ، حيث كان يؤخر الصلاة ، أو لا يقيمها على وجهها ، وكان بعض الورعين يصلي وحده سرا ، ثم يصلي معه خشية من وقوع الفتنة ، وقيل : كان ذلك حين أتم عثمان الصلاة في السفر ، وكان بعضهم يقصر سرا وحده خشية الإنكار عليه ، ووهم من قال إن ذلك كان أيام قتل عثمان لأن حذيفة لم يحضر ذلك ، وفي ذلك علم من أعلام النبوة ، من الإخبار بالشئ قبل وقوعه ، وقد وقع أشد من ذلك بعد حذيفة في زمن الحجاج وغيره . قوله : " قال : أبو معاوية ما بين ستمائة إلى سبعمائة " أي أن أبا معاوية خالف الثوري أيضا عن الأعمش بهذا الإسناد في العدة ، وطريق أبي معاوية هذه وصلها مسلم وأحمد والنسائي وابن ماجة ، وكأن رواية الثوري رجحت عند البخاري ، فلذلك اعتمدها لكونه أحفظهم مطلقا ، وزاد عليهم ، وزيادة الثقة الحافظ مقدمة ، وأبو معاوية وإن كان أحفظ أصحاب الأعمش بخصوصه ، ولذلك اقتصر مسلم على روايته ، لكنه لم يجزم بالعدد ، فقدم البخاري رواية الثوري لزيادتها بالنسبة لرواية الاثنين ولجزمها بالنسبة لرواية أبي معاوية . وأما ما ذكره الإسماعيلي أن يحيى بن سعيد الأموي وأبا بكر بن عياش وافقا أبا حمزة في قوله : خمسمائة فتعارض الأكثرية والحفظية ، فلا يخفى بعد ذلك الترجيح بالزيادة ، وبهذا يظهر رجحان نظر البخاري على غيره . وسلك الداودي الشارح طريق الجمع فقال : لعلهم كتبوا مرات في مواطن . وجمع بعضهم بأن المراد بالألف وخمسمائة جميع من أسلم من رجل وامرأة وعبد وصبي ، وبما بين الستمائة إلى السبعمائة الرجال خاصة ، وبالخمسمائة المقاتلة خاصة ، وهو أحسن من الجمع الأول ، وإن كان بعضهم أبطله بقوله في الرواية الأولى : ألف وخمسمائة رجل لإمكان أن يكون الراوي أراد بقوله : رجل نفس ، وجمع بعضهم بأن المراد بالخمسمائة المقاتلة من أهل المدينة خاصة ، وبما بين الستمائة إلى السبعمائة هم ومن ليس بمقاتل ، وبالألف وخمسمائة هم ومن حولهم من أهل القرى والبوادي . وقال الحافظ : ويخدش في وجوه هذه الاحتمالات كلها اتحاد مخرج الحديث ومداره على الأعمش بسنده ، واختلاف أصحابه عليه في العدد المذكور والله أعلم . وفي الحديث مشروعية كتابة دواوين الجيوش ، وقد يتعين ذلك عند الاحتياج إلى تمييز من يصلح للمقاتلة بمن لا يصلح ، وفيه وقوع العقوبة على الإعجاب بالكثرة ، وهو نحو قوله تعالى : ( ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم ) . وقال ابن المنير : موضع الترجمة من الفقه أن لا يتخيل أن كتابة الجيش وإحصاء عدده يكون ذريعة لارتفاع البركة ، بل الكتابة المأمور بها لمصلحة دينية ، والمؤاخذة التي وقعت في حنين كانت من جهة الاعجاب . ثم ذكر المصنف حديث ابن عباس " قال رجل : يا رسول الله ، إني اكتتبت في غزوة كذا " وهو يرجح الرواية الأولى بلفظ " اكتبوا " لأنها مشعرة بأنه كان من عادتهم كتابة من يتعين للخروج في المغازي . ( فتح الباري ) مختصرا .