المقريزي
261
إمتاع الأسماع
يا رسول الله دنوت من الحصن ونزلت بين ظهري النخل والنز ( 1 ) ، مع أن أهل النطاة لي بهم معرفة ، ليس قوم أبعد مدى منهم ، ولا أعدل منهم [ وهم مرتفعون ] ، علينا وهو أسرع لانحطاط نبلهم ، مع أني لا آمن بيتهم يدخلون في خمر ( 2 ) النخل ، تحول يا رسول الله إلى موضع برئ من النز ومن الوباء ، نجعل الحرة بيننا وبينهم حتى لا ينالنا نبلهم . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نقاتلهم هذا اليوم ، ودعى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد ابن مسلمة فقال : أنظر لنا منزلا بعيدا من حصونهم ، بريئا من الوباء ، نأمن فيه بياتهم ، فطاف محمد حتى انتهى إلى الرجيع ( 3 ) ، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليلا فقال : وجدت لك منزلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : على بركة الله تعالى . وقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومه ذلك إلى الليل ، يقاتل أهل النطاة ، يقاتلها من أسفلها ، وحشدت اليهود يومئذ ، فقال الحباب بن المنذر : لو تحولت يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أمسينا إن شاء الله تحولنا . وجعلت نبل اليهود تخالط عسكر المسلمين وتجاوزه ، وجعل المسلمون يلتقطون نبلهم ، ثم يردونها عليهم . فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم تحول ، وأمر الناس فتحولوا إلى الرجيع ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغدو بالمسلمين على راياتهم ، وكان شعارهم : يا منصور أمت ! فقال له الحباب بن المنذر : يا رسول الله ، إن اليهود ترى النخل أحب إليهم من أبكار أولادهم ، فاقطع نخلهم ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخل ووقع المسلمون في قطعها حتى أسرعوا في القطع ، فجاءه أبو بكر رضي الله تبارك وتعالى عنه فقال يا : رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل قد وعدكم خيبر ، وهو منجز ما وعدك ، فلا تقطع النخل . فأمر فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهى عن قطع النخل .
--> ( 1 ) النز : ما يتحلب من الأرض من الماء . ( 2 ) الخمر بالتحريك : كل ما سترك من شجر أو بناء أو غيره . ( النهاية ) : 1 / 320 . ( 3 ) الرجيع : واد قرب خيبر .