المقريزي
256
إمتاع الأسماع
فقمنا له على أرجلنا صفين ، يحييه كل رجل منا حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقائل يقول : إنما عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : قوموا إلى سيدكم ، يعني به الأنصار دون قريش . قالت الأوس الذين بقوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد : يا أبا عمرو ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك الحكم ، فأحسن فيهم ، واذكر بلاءهم عندك . فقال سعد بن معاذ : أترضون بحكمي لبني قريظة ؟ قالوا : نعم ، قد رضينا بحكمك وأنت غائب عنا ، اختيارا منا ، ورجاء أن تمن علينا كما فعله غيرك من حلفائه من قينقاع وأثرنا عندك أثرنا ، وأحوج ما كنا اليوم إلى مجازاتك ، فقال سعد : لا آلوكم جهدا . فقالوا : ما يعني بقوله هذا ؟ ثم قال عليكم عهد الله وميثاقه أن الحكم فيكم ما حكمت ؟ قالوا : نعم . قال سعد للناحية الأخرى التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض عنها إجلالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : وعلى من هاهنا مثل ذلك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه : نعم . قال سعد : فإني أحكم فيهم أن يقتلا من جرت عليه الموسى ( 1 ) ، وتسبى النساء والذرية ، وتقسم الأموال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد حكمت بحكم الله عز وجل من فوق سبع أرقعة ( 2 ) . وكان سعد بن معاذ في الليلة التي في صبحها نزلت قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد دعا فقال : اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها ، فإنه لا قوم أحب إلي أن أقاتل من قوم كذبوا رسول الله ، وآذوه
--> ( 1 ) وفي ذلك كناية عن الإنبات ، وهو نبات شعر العانة ، فجعله علامة على البلوغ ، وليس ذلك حد إلا في أهل الشرك عند الأكثرين ، وقال أحمد بن حنبل رحمه الله : الانبات حد يقام به الحد على من أنبت ، ويحكى مثل ذلك عن مالك رحمه الله ، فأما من جعله مخصوصا بأهل الشرك : فيشبه أن يكون أن أهل الشرك لا يوقف على بلوغهم من جهة السن ، ولا يمكن الرجوع إلى قولهم لأنهم متهمون في ذلك لدفع القتل عنهم ، وأداء الجزية ، وغير ذلك من الأحكام ، بخلاف المسلمين فإنهم يمكن أن تعرف أوقات بلوغهم وولادتهم . ( جامع الأصول ) : 8 / 279 . ( 2 ) الأرقعة السماوات ، والواحدة رقيع .