المقريزي
218
إمتاع الأسماع
[ الدليل ] الرابع : مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - أن من أنكر خلافة الصديق ، رضي الله تبارك وتعالى عنه ، فهو كافر ، وكذلك من أنكر خلافة عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه ، ومنهم من لم يحك في ذلك خلافا ، ومنهم من ذكر في ذلك خلافا ، وقال : الصحيح أنه كافر ، [ والمسألة ] مذكورة في ( الغاية ) للسروجي ، وفي ( الفتاوى الطهيرية ) ، وفي ( الأصل ) لمحمد بن الحسن ، رحمه الله ، والظاهر أنهم أخذوا ذلك عن إمامهم أبي حنيفة ، وهو أعلم بالروافض ، لأنه كوفي ، والكوفة منبع الروافض ، والروافض طوائف منهم من يجب تكفيره ومنهم من لا يجب تكفيره فإذا قال أبو حنيفة [ رحمه الله ] بتكفير من ينكر إمامة الصديق فتكفير لاعنه أولى . والظاهر أن المستند ، أن منكر إمامة الصديق رضي الله تبارك وتعالى عنه مخالف للاجماع ، بناه على أن جاحد [ الحكم ] المجمع عليه كافر ، وهو المشهور عند الأصوليين ، وإمامة الصديق مجمع عليها ، من حين بايعه عمر ابن الخطاب ، رضي الله تبارك وتعالى عنهما ، ولا يمنع من ذلك تأخر بيعة بعض الصحابة ، فإن الذين تأخرت بيعتهم ، لم يكونوا مخالفين في صحة إمامته ، ولهذا كانوا يأخذون [ عطاءه ] ويتحاكمون إليه ، فالبيعة شئ ، والاجماع شئ ، لا يلزم من أحدهما الآخر ، ولا من عدم أحدهما عدم الآخر ، فافهم ذلك ، فإنه قد يغلط فيه . وهذا قد يعترض عليه شئ من شيئين : أحدهما : قول : بعض الأصوليين : أن جاحد الحكم المجمع عليه ، إنما يكفر إذا كان معلوما من الدين بالضرورة ، وأما المجمع عليه الذي ليس معلوما من الدين بالضرورة ، فلا يكفر بإنكاره ، مثل كون بنت الابن لها السدس مثل البنت ، مجمع عليه ، وليس معلوما بالضرورة ، فلا يكفر منكره ، ويجاب على هذا [ بأن ] خلافة الصديق ، وبيعة الصحابة رضي الله تبارك وتعالى عنهم له ، ثبتت بالتواتر المنتهي إلى حد الضرورة ، فصارت كالمجمع عليه : المعلوم بالضرورة ، وهذا لا شك فيه ، ولم يكن أحد من الروافض في أيام الصديق ، ولا في أيام عمر ، ولا في أيام عثمان ، رضي الله تبارك وتعالى عنهم ، وإنما حدثوا بعده ، وحدثت مقالتهم بعد حدوثهم .