المقريزي
171
إمتاع الأسماع
فصل في ذكر نزول الأوس والخزرج يثرب إعلم أن مواطن العرب في الدهر الأول ، والزمن الغابر ، كانت باليمن ، ومدينة ملكهم مأرب ، فلما قام في الملك بمأرب عمر بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد ، سمي مزيقياء ، لأنه كان له حلة يمانية من ذهب ، منظومة بالجوهر ، تعمل في حول كامل ، فإذا خرج وقد لبسها يوم عيده وعاد إلى قصره وقف لرجاله ومزقها قطعا ، كي لا يلبسها أحد بعده ( 1 ) . وأخذ هذه السنة عن ذي القرنين ، الصعب بن ذي مراثد ، وفي أيامه خرب سد مأرب ، ومزق الله العرب كل ممزق ، كما قال الله تعالى : ( لقد كان لسبأ في [ مسكنهم ] آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور * فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل * ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور * وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين * فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) ( 2 ) . وكان عمرو بن عامر عنده أثارة من علم بخراب سد مأرب ( 3 ) ، [ وتمزقهم ] في البلاد ، فعمل حيلة حتى باع عقاره بمأر ، وخرج بأهله وولده
--> ( 1 ) كذا في ( الأصل ) وفي ( الاشتقاق ) : 435 : كان يمزق عنه كل يوم حلة لئلا يلبسها أحد بعده ، وفي ( جمهرة أنساب العرب ) : 616 : كانت تمزق عليه في كل يوم حلتان ، ويقال : سمي بذلك لتمزق ملكهم . ( 2 ) سبأ : 15 - 19 . ( 3 ) وأما خبر خراب سد مأرب ، وقصة سيل العرم ، فإنه في ملك حبشان فأخرب الأمكنة المعمورة في أرض اليمن ، وكان أكثر ما أخرب بلاد كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب ، وعامة بلاد حمير بن سبأ ، وكان ولد حمير وولد كهلان هم سادة اليمن في ذلك الزمان ، وكان عمرو بن عامر كبيرهم وسيدهم ، وهو جد الأنصار ، فمات عمرو ابن عامر قبل سيل العرم ، وصارت الرياسة إلى أخيه عمران بن عامر الكاهن وكان عاقرا لا يولد له ولد ، كان جوادا عاقلا ، كان له ولد ولولد أخيه من الحدائق والجنان ما لم يكن لأحد من ولد قحطان ، وكان فيهم امرأة كاهنة تسمى طريفة ، فأقبلت يوما حتى وقفت على عمران بن عامر ، وهو في نادي قومه [ فقالت له كلاما ينبئ بخراب سد مأرب ] .