علي العارفي الپشي
326
البداية في توضيح الكفاية
فأجاب المصنف قدّس سرّه عنه بنحوين : أحدهما : المناقشة في المقيس عليه . وثانيهما : المناقشة في المقيس . اما المناقشة في المقيس عليه فهي ان الإرادة في التكوينيات ، كما تتعلق بأمر حالي فلا تنفك حينئذ عن المراد زمانا ، فكذا قد تتعلق بأمر متأخر استقبالي فتنفك حينئذ عنه زمانا ، كما إذا تعلقت ارادته بالمسافرة في الصيف إلى بلاد الشام أو إلى بلاد الهند مثلا ، فيكون فعلا بصدد مقدمات المسافرة من الزاد والراحلة والرفقة وجواز السفر وتحصيل معداتها في الحال الحاضر ، فلو لم تتعلق الإرادة من الآن بالمسافرة بعدا لما المريد فعلا بصدد تكميل المقدمات وتحصيل معداتها . فبالنتيجة : الإرادة كما تتعلق بأمر مقارن كذلك تتعلق بأمر متأخر ، بل يكون جميع الغايات والاغراض متأخرا عن الإرادة بزمان قليل كما إذا قلت مقدمات المراد ، أو بزمان كثير كما إذا كثرت مقدماته . واما المناقشة : في المقيس فان الطلب الانشائي لا يكاد يتعلق إلّا بأمر متأخر زمانا ، فان الطلب من الغير ليس إلّا لان يتصور الغير ويتصور متعلقه وما يترتب على امتثاله من المثوبة وعلى عصيانه من العقوبة ، فيصير هذا التصور داعيا لحركته نحو المطلوب فيأتي به في الخارج ، وهذا مما يحتاج إلى فصل زماني بين الانشاء وبين تحقق المنشإ في الخارج سواء كان قصيرا أم كان طويلا . وعليه فلا يمكن وقوع المطلوب خارجا الا بعد زمان الطلب ، فكيف يدعى وقوع المطلوب في زمان الطلب . ولعل الذي أوقع المستشكل في الغلط ما قرع سمعه من تعريف الإرادة بالشوق المؤكّد المحرّك للعضلات نحو المراد فتوهم ان تحريكها نحو المراد لغو وعبث بل غير معقول . والحال انه غفل عن أن كون الشوق المؤكد محركا للعضلات نحو المراد لا يلزم منه التحريك نحو المراد الأصلي الذي هو عبارة عن ذي المقدمة ، بل قد يكون التحريك بعد الشوق المؤكد الشديد الذي يكون بعد إرادة الشيء وقصده جانب المراد الأصلي إذا لم تكن المقدمات له .