المقريزي

211

إمتاع الأسماع

يخبروا به ، [ ومتحققون ] أنه عليه السلام لم يره قط ، فعدوا قوله : أنه أسري به إلى السماوات من جنس قوله : أن الملك يأتيه منها في طرفة عين ، وكان ذلك مستقرا عندهم استحالته ، ولا يعلم إلا من جهته ، إذ لا دليل عليه من خارج يشاهدونه ، إلا قيام صدقه بالمعجزة ، وقد عاندوا فيها ، بخلاف إخباره أنه أتى بيت المقدس في ليلته ، فإنه أمكنهم استعلام صدقه في ذلك ، فطالبوه بنعته ، فجلاه الله له ، فطفق يخبرهم عن آياته ، وهو ينظر إليه ، ولم يكن عليه السلام أتى بيت المقدس قبل الإسراء ، فكان معلوما عندهم من حاله أنه لم يره قط ، وإلا لما طالبوه بنعته . وعلى هذا ، جاءت الآية : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ) تشنيعا عليهم ، ونداءا بما علموا صدقه فيه ، فأصروا على تكذيبه ، فلهذا اقتصر الله تعالى على ذلك ، دون ذكر صعوده إلى السماء . وزعم من قال : بأن [ الإسراء ] إلى بيت المقدس وإلى السماوات ، وقع أكثر من مرة واحدة ، تارة في المنام ، وتارة في اليقظة ، بأن هذا فيه جمع بين الأحاديث المختلفة ، وعليه ، يخرج أيضا الاختلاف في المكان الذي وقع منه الإسراء ، وهذه اختيار أبي نصر بن أبي القاسم القشيري ، وأبي القاسم السهيلي ، وأبي بكر محمد بن العربي ، والمهلب بن أبي صفرة ، وإليه مال أبو سعيد عبد الملك بن محمد النيسابوري الواعظ . قال : وترتيب الأخبار أن يقال : كان لرسول الله معاريج ، منها ما كان حقيقة ، ومنها ما كان رؤيا ، وعليه عول أبو شامة وقال : أنه أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم مرارا قبل البعثة وبعدها . فأما قبل البعثة ، فكان في النوم على ما شهد له حديث شريك ، وكان ذلك من جملة ما أخبرت عنه عائشة رضي الله عنها ، وأجملته من حاله