المقريزي
190
إمتاع الأسماع
وأما الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إلى السماوات العلى ورؤيته آيات ربه الكبرى فإنه ثابت بكتاب الله العزيز ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة ، المستفيضة عنه بالنقل ، من حديث عبد الله بن مسعود ، وأبي ذر ، وحذيفة ، وعبد الله بن عباس ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد الخدري ، ومالك بن صعصعة ، وأبي بن كعب وأنس بن مالك ، وشداد بن أوس ، وأبي ليلى الأنصاري ، وعبد الرحمن بن قرظ ، وأم هاني بنت أبي طالب ، رضي الله عنهم ، حتى صار في الثبوت مصير التواتر . قال الله جل وعز سبحانه : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ) ( 1 ) . إعلم أن التسبيح هو التنزيه ، والتنزيه والتبعيد مأخوذ من قولهم : سبح الرجل في الأرض إذا ذهب فيها ، ومنه قيل للفرس إذا كان جيد الركض : سابح ، ومنه السبح في الماء ، فقولك : سبحت الله ، أي نزهته وبرأته مما لا يليق بجلاله ، وأصل المعنى والاشتقاق ، باعدته مما لا يليق به ، أي جعلته بمعزل منها ، متباعدا تباعد المنزلة والرتبة ( 2 ) .
--> ( 1 ) الإسراء : 1 . ( 2 ) قال ابن الفرج : سمعت أبا الجهم الجعفري يقول : سبحت في الأرض وسبخت فيها إذا تباعدت فيها ، ومنه قوله تعالى : ( وكل في فلك يسبحون ) أي يجرون ، ولم يقل : تسبح ، لأنه وصفها بفعل من يعقل . وكذلك قوله : ( والسابحات سبحا ) هي النجوم تسبح في الفلك ، أي تذهب فيها بسطا ، كما يسبح السابح في الماء سبحا ، وكذلك السابح في الماء سبحا ، وكذلك السابح من الخيل يمد يديه في الجري سبحا . وقال الأزهري في قوله عز وجل : ( والسابحات سبحا فالسابقات سبقا ) ، قيل : السابحات السفن ، والسابقات الخيل . والتسبيح : التنزيه : وسبحان الله : معناه : تنزيها لله من الصاحبة والولد . وقيل : تنزيه لله تعالى عن كل ما لا ينبغي له أن يوصف . تقول : سبحت الله تسبيحا أي نزهته تنزيها ، وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال الزجاج في قوله تعالى : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ) قال : منصوب على المصدر ، المعنى : أسبح الله تسبيحا ، قال : وسبحان في اللغة تنزيه الله عز وجل عن السوء . وسبح الرجل : قال سبحان الله ، وفي التنزيل : ( كل قد علم صلاته وتسبيحه ) . وقال قوم : ( وإن من شئ إلا يسبح بحمده ) أي ما من دابة إلا وفيه دليل على أن الله عز وجل خالقه ، وأن خالقه مبرأ من الأسواء ، ولكنكم أيها الكفار لا تفقهون أثر الصنعة في هذه المخلوقات . قال الأزهري : ومما يدلك . على أن تسبيح هذه المخلوقات تسبيح تعبدت به ، قول الله عز وجل للجبال : ( يا جبال أوبي معه والطير ) ، ومعنى أوبي : سبحي مع داود النهار كله إلى الليل ولا يجوز أن يكون معنى أمر الله عز وجل للجبال بالتأويب إلا تعبدا لها . وكذلك قوله تعالى : ( ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والدواب وكثير من الناس ) ، فسجود هذه المخلوقات عبادة منها لخالقها ، لا لا نفقهها عنها ، كما لا نفقه تسبيحها . وكذلك قوله تعالى : ( وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله ) وقد علم الله تعالى هبوطها من خشيته ، ولم يعرفنا ذلك ، فنحن نؤمن بما أعلمنا ، ولا ندعي بما لا نكلف بأفهامنا من علم فعلها كيفية نحدها . ومن صفات الله عز وجل : السبوح القدوس ، قال أبو إسحاق : السبوح : الذي ينزه عن كل سوء ، والقدوس : المبارك ، وقيل : الطاهر . وقال ابن سيده : سبوح قدوس ، من صفة الله عز وجل ، لأنه تعالى يسبح ويقدس ، ويقال : سبوح قدس ، قال الحياني : المجتمع عليه فيها الضم . وسبحات وجه الله ، بضم السين والباء : أنواره ، وجلاله ، وعظمته ، وقال جبريل عليه السلام : إن لله دون العرش سبعين حجابا ، لو دنونا من أحدها لأحرقتنا سبحات وجه ربنا ، رواه صاحب ( العين ) . قال ابن شميل : سبحات وجهه ، نور وجهه ، وفي حديث آخر : حجابه النور والنار ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شئ أدركه بصره . وقال ابن عرفة الملق بنغطويه . في قوله تعالى : ( فسبح باسم ربك العظيم ) : أي سبحه بأسمائه ، ونزهه عن التسمية بغير ما سمى به نفسه . قال : ومن سمى الله تعالى بغير ما سمى به نفسه فهو ملحد في أسمائه ، وكل من دعاه بأسمائه فمسبح له بها ، إذ كانت أسماؤه مدائح له وأوصافا ، قال تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) ، وهي صفاته التي وصف بها نفسه ، وكل من دعا الله بأسمائه فقد أطاعه ومدحه ، ولحقه ثواب . ( لسان العرب ) : 2 / 471 - 474 مختصرا .