المقريزي
17
إمتاع الأسماع
وخرج الترمذي من حديث محمد بن السائب بن بركة ، عن أمه ، عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ أهله الوعك ، أمر بالحساء فصنع ، ثم أسرهم فحسوا منه ، وكان يقول : إنه ليرتق ( 1 ) فؤاد المريض ، ويسرو ( 2 ) عن فؤاد السقيم ، كما تسرو إحداكن الوسخ بالماء عن وجهها ( 3 ) . هذا لفظ الترمذي . وقال النسائي : وفؤاد المريض ، وقال : كما يسرو أحدكم الوسخ بالماء عن وجهه ( 4 ) . قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . وقد رواه ابن المبارك عن يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة [ رضي الله عنها ] ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ( 5 ) .
--> ( 1 ) يرتق : يشد ويرخي ، والمراد هنا الشد ، لأن الحزن يرخي القلب . ( 2 ) يسرو : بمعنى يكشف ويجلو . ( 3 ) ( سنن الترمذي ) : 4 / 336 ، كتاب الطب ، باب ( 3 ) ما جاء ما يطعم المريض ، حديث رقم ( 2039 ) . ( 4 ) ( النسائي في الكبرى ) : الطب ، باب الدواء بالتلبينة . ( 5 ) ثم قال : حدثنا بذلك الحسين بن محمد ، حدثنا به أبو إسحاق الطالقاني عن ابن المبارك . وأخرجه ابن ماجة في ( السنن ) : 2 / 1140 ، كتاب الطب ، باب ( 5 ) التلبية ، حديث رقم ( 3445 ) ، وفيه : ( إنه ليرتو فؤاد الحزين ، ويسر عن فؤاد السقيم ) ، وحديث رقم ( 3446 ) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( عليكم بالبغيض النافع التلبينة ) يعني الحساء ، قالت : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى أحد من أهله لم تزل البرمة على النار ، حتى ينتهي أحد طرفيه ، يعني : يبرأ أو يموت . وأخرجه ابن أبي شيبة في ( المصنف ) 5 / 38 ، كتاب الطب ، باب ( 13 ) في التلبينة ، حديث رقم ( 23491 ) . وأخرجه الحاكم في ( المستدرك ) : 4 / 227 ، كتاب الطب ، حديث رقم ( 7454 ) ، وقال الحافظ الذهبي في ( التلخيص ) : هكذا رواه المعافي بن سليمان عنه ، ورواه زيد بن الحباب ، عن فليح ، عن أم مبشر بدل أم المنذر ، قال : صحيح . وحديث رقم ( 7455 ) ، وقال في ( التلخيص ) : أيمن هو ابن نايلة ، صحيح . وأخرجه الإمام مسلم في كتاب السلام ، باب ( 30 ) التلبية مجمة لفؤاد المريض ، حديث رقم ( 2216 ) . قال العلامة ابن القيم : التلبين : هو الحساء الرقيق الذي هو في قوام اللبن - ومن اشتق اسمه ، قال الهروي : سميت تلبينة لشبهها باللبن ، لبياضها ورقتها ، وهذا الغذاء هو النافع للعليل ، وهو الرقيق النضيح ، لا الغليظ النيئ . وإذا شئت أن تعرف فضل التلبينة ، فاعرف فضل ماء الشعير ، بل هي ماء الشعير لهم ، فإنها حساء متخذ من دقيق الشعير بنخالته ، والفرق بينها وبين ماء الشعير أنه يطبخ صحاحا ، والتلبينة تطبخ منه مطحونا ، وهي أنفع منه لخروج خاصية الشعير بالطحن . وقد تقدم أن للعادات تأثيرا في الانتفاع بالأدوية والأغذية ، وكانت عادة القوم أن يتخذوا ماء الشعير منه مطحونا لا صحاحا ، وهو أكثر تغذية ، وأقوى فعلا ، وأعظم جلاء ، وإنما اتخذه أطباء المدن منه صحاحا ليكون أرق وألطف ، فلا يثقل على طبيعة المريض ، وهذا بحسب طبائع أهل المدن ورخاوتها ، وثقل ماء الشعير المطحون عليها . والمقصود : أن ماء الشعير مطبوخا صحاحا ينفذ سريعا ، ويجلو جلاء ظاهرا ، ويغذى غذاء لطيفا ، وإذا شرب حارا كان جلاؤه أقوى ، ونفوذه أسرع ، وإنماؤه للحرارة الغريزية أكثر ، وتلميسه لسطوح المعدة أوفق . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( فيها مجمة ج لفؤاد المريض ) ، يروى بوجهين : بفتح الميم والجيم ، وبضم الميم وكسر الجيم ، والأول أشهر ، ومعناه : أنها مريحة له ، أي تريحه وتسكنه من الإجمام وهو الراحة . وقوله : ( تذهب ببعض الحزن ) ، هذا - والله تعالى أعلم - لأن الغم والحزن يبردان المزاج ، ويضعفان الحرارة الغريزية ، لميل الروح الحامل لها إلى جهة القلب الذي هو منشؤها ، وهذا الحساء يقوي الحرارة الغريزية بزيادته في مادتها ، فتزيل أكثر ما عرض له من الغم والحزن . وقد يقال - وهو أقرب - : إنها تذهب ببعض الحزن بخاصية فيها من جنس خواص الأغذية المفرحة ، فإن من الأغذية ما يفرح بالخاصية ، والله تعالى أعلم . . . ( زاد المعاد ) : 4 / 120 - 121 .