المقريزي
106
إمتاع الأسماع
قصر مثل [ الربابة ] البيضاء ، قال : قالا لي : هذاك منزلك قال : قلت لهما : بارك الله فيكما ، ذراني فأدخله ، قالا : أما الآن ، فلا ، وأنت داخله ، قال : قلت لهما : فإني قد رأت منذ الليلة عجبا ، فما هذا الذي رأيت ؟ [ قال : ] قالا لي : إنا سنخبرك . أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر ، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه ، وينام عن الصلاة المكتوبة . وأما الرجل الذي أتيت عليه يشر شر شدقه إلى قفاه [ ومنخره إلى قفاه ] ، وعينه إلى قفاه ، فإنه الرجل يغدو من بيته ، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق . وأما الرجال والنساء العراة ، الذين في مثل بناء التنور ، [ فهم ] الزناة والزواني . وأما الرجل الذي أتيت عليه بسبح في النهر ويلقم الحجارة ، فإنه آكل الربا . وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها ، فإنه [ مالك ] خازن جهنم . وأما الرجل الطويل الذي في الروضة ، فإنه إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، وأما الولدان الذين حوله ، فكل مولود مات على الفطرة . قال : فقال بعض المسلمين : يا رسول الله ! وأولاد المشركين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأولاد المشركين . وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسنا ، وشطر منهم قبيحا ، فإنهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، تجاوز الله عنهم ( 1 ) .
--> ( 1 ) ( فتح الباري ) : 12 / 542 - 544 ، كتاب التعبير ، باب ( 48 ) تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح ، حديث رقم ( 7047 ) . قوله : ( باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح ) فيه إشارة إلى ضعف ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن سعيد بن عبد الرحمن عن بعض علمائهم ، قال : ( لا تقصص رؤياك على امرأة ، ولا تخبر بها حتى تطلع الشميس ) . وفيه إشارة إلى الرد على من قال من أهل التعبير : أن المستحب أن يكون تعبير الرؤيا من بعد طلوع الشمس إلى الرابعة [ من الشروق ] ، ومن العصر إلى قبل المغرب ، فإن الحديث دال على استحباب تعبيرها قبل طلوع الشمس ، ولا يخالف قولهم بكراهة تعبيرها في أوقات كراهة الصلاة . قال المهلب : تعبير الرؤيا عند صلاة الصبح أولى من غيره من الأوقات ، لحفظ صاحبها لها ، لقرب عهده بها ، قبل ما يعرض له نسيانها ، ولحضور ذهن العابر ، وقلة شغله بالفكرة فيما يتعلق بمعاشه ، وليعرف الرائي ما يعرض له بسبب رؤياه ، فيستبشر بالخير ، ويحذر من الشر ، ويتأهب لذلك ، فربما كان في الرؤيا تحذير عن معصية فيكف عنها ، وربما كانت إنذارا لأمر فيكون له مترقبا . [ وقد ] كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيد تعبير الرؤيا ، وكان له مشارك في ذلك منهم ، لأن الإكثار من هذا القول لا يصدر إلا ممن تدرب فيه ، ووثق بإصابته ، كقولك : كان زيد من العلماء بالنحو ، ومنه قول صاحبي السجن ليوسف عليه السلام : ( نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ) [ يوسف : 36 ] ، أي من المجيدين في عبارة الرؤيا ، وعلما ذلك مما رأياه منه ، هذا من حديث البيان . وأما من حيث النحو : فيحتمل أن يكون قوله : ( هل رأى أحد منكم رؤيا ) مبتدأ ، والخبر مقدم عليه على تأويله هذا القول ، مما يكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوله . قوله : ( وإنهما ابتعثاني ) ، معنى ابتعثاني : أرسلاني ، يقال : ابتعثه إذا أثاره وأذهبه ، وقال ابن هبيرة : معنى ابتعثاني : أيقظاني ، ويحتمل أن يكون رأى في المنام أنهما أيقظاه ، فرأى ما رأى في المنام ، ووصفه بعد أن أفاق على منامه كاليقظة ، لكن لما رأى مثالا كشفه التعبير دل على أنه كان مناما . قوله : ( وإني انطلقت معهما ) ، زاد جرير بن حازم في روايته : ( إلى الأرض المقدسة ) ، وعند أحمد : ( إلى أرض فضاء أو مستوية ) ) ، وفي حديث علي : ( فانطلقا بي إلى السماء ) . قوله : ( وإنما أتينا على رجل مضطجع ) ، في رواية جرير : ( مستلق على قفاه ) . قوله : ( وإذا آخر قائم عليه بصخرة ) ، في رواية جرير : ( بفهر أو صخرة ) ، وفي حديث علي : ( فمررت على تلك وأمامه آدمي ، وبيد الملك صخرة يضرب بها هامة الآدمي ) . قوله : ( يهوى ) بفتح أوله وكسر الواو ، أي يسقط ، يقال : هوى - بالفتح - يهوى هويا ، سقط إلى أسفل ، وضبطه ابن التين بضم أوله من الرباعي ، وقال : أهوى من بعد ، وهوى - بفتح الواو - نم قرب . قوله : ( بالصخرة لرأسه فيثلغ ) - بفتح أوله وسكون المثلثة اللام بعدها غين معجمة - أي يشدخه ، وقد وقع في رواية جرير : ( فيشدخ ) والشدخ : كسر الشئ الأجوف . قوله : ( فيتدهده الحجر ) - بفتح المهملتين بينهما هاء ساكنة - وفي رواية اللشمهيني : ( فيتدأدأ ) بهمزتين بدل الهائين ، وفي رواية النسفي ، وكذا هو في رواية جرير بن حازم : ( فيتدهدأ ) بهاء ثم همزة ، وكل بمعنى ، والمراد : أنه دفعه من علو إلى أسفل ، وتدهده إذا انحط ، والهمزة تبدل من الهاء كثيرا ، وتدأدأ تدحرج ، وهو بمعناه . قوله : ( فيتبع الحجر ) أي الذي رمي به ( فيأخذه ) . قوله : ( فلا يرجع إليه ) أي إلى الذي شدخ رأسه . قوله : ( حتى يصح رأسه ) ، وفي رواية جرير : ( حتى يلتئم ) ، وعند أحمد : ( عاد رأسه كما كان ) ، وفي حديث علي : ( فيقع دماغه جانبا وتقع الصخرة جانبيا ) . قال ابن العربي : جعلت العقوبة في رأس هذه النومة على الصلاة . قوله : ( فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه ، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد ) ، وفي كتاب الجنائز ضبطه ( كلوب ) ، ووقع في حديث علي : ( فإذا أنا بملك وأمامه آدمي ، وبيد الملك كلوب من حديد فيضعه في شدقه الأيمن فيشقه ) . قوله : ( فيشرشر شدقه إلى قفاه ) أي يقطعه شقا ، والشدق جانب الفم ، وفي رواية جرير : ( فيدخله في شقه فيشقه حتى يبلغ قفاه ) . قال ابن العربي : شرشرة شدق الكاذب إنزال العقوبة بمحل المعصية ، وعلى هذا تجري العقوبة في الآخرة بخلاف الدنيا . قوله : ( وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم ، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا ) بغير همز للأكثر وحكي الهمز ، أي رفعوا أصواتهم مختلطة ، ومنهم من سهل الهمزة . قال في ( النهاية ) : الضوضاء أصوات الناس ولغطهم ، وكذا الضوضى بلا همز مقصور . وقال الحميدي : المصدر بغير همز . قوله : ( كريه المرآة ) بفتح الميم وسكون الراء وهمزة ممدودة بعدها هاء تأنيث ، قال ابن التين : أصله المرأية تحركت الياء ، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا ، وزنه مفعلة ، أي قبيح المنظر . قوله : ( عنده نار يحشها ) قال الجوهري : حششت النار أحشاها حشا : أوقدتها . وقال في ( التهذيب ) : حششت الناد بالحطب : ضممت ما تفرق من الحطب إلى النار . وقال ابن العربي : حش النار : حركها . قوله : ( فأتينا على روضة معتمة ، قال الحافظ : الذي يظهر أنه من العتمة وهو شدة الظلام ، فوصفها بشدة الخضرة ، كقوله تعالى : ( مدهامتان ) [ الرحمن : 64 ] . قوله : ( فانتهينا إلى المدينة مبنية بلين ذهب ولبن فضة ) اللبن بفتح اللام وكسر الموحدة جمع لبنة ، وأصلها ما يبنى به من طين . قوله : ( فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم ) ، هذا الإطلاق يحتمل أن يكون المراد أن نصفهم حسن كله ونصفهم قبح كله ، ويحتمل أن يكون كل واحد منهم نصفه حسن ونصفه قبيح - والثاني هو المراد ، ويريده قوله في صفتهم : ( هؤلاء قوم خلطوا ) أي عمل كل منهم صالحا وخلطه بعمل سئ . قوله : ( فقعوا في ذلك النهر ) بصيغة فعل الأمر بالوقوع ، والمراد أنهم ينغمسون فيه ليغسل تلك الصفة بهذا الماء الخاص . قوله : ( كأن ماءه المحض ) بفتح الميم وسكون المهملة بعدها ضاد معجمة ، هو اللبن الخالص من الماء حلوا كان أو حامضا . قوله : ذهب ذلك السوء عنهم ، أي صار القبح كالشطر الحسن ، فلذلك قال : وصاروا في أحسن صورة . قوله : فيرفضه ) بكسر الفاء ويقال بضمها ، قال ابن هبيرة : رفض القرآن بعد حفظه جناية عظيمة ، لأنه يوهم أنه رأى فيه ما يوجب رفضه ، فلما رفض أشرف الأشياء وهو القرآن ، عوقب في أشرف أعضائه وهو الرأس . قوله : ( وينام عن الصلاة المكتوبة ، هذا أوضح من رواية جرير بن حازم بلفظ : ( وعلمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار ) . فإن ظاهره أنه يعذب على ترك قراءة القرآن بالليل ، بخلاف رواية عوف فإنه على تركه الصلاة المكتوبة ، ويحتمل أن يكون التعذيب على مجموع الأمرين ، ترك القراءة وترك العمل . قوله : ( فهم الزناة ) مناسبة العرى لهم لاستحقاقهم أن يفضحوا لأن عادتهم أن يستتروا في الخلوة ، فعوقبوا بالهتك ، والحكمة في إتيان العذاب من تحتهم كون جنابتهم من أعضائهم السفلى . قوله : ( فإنه آكل الربا ) . قال ابن هبيرة : إنما عوقب آكل الربا بسباحته في النهر الأحمر وإلقامه الحجارة ، لأن أصل الربا يجري في الذهب ، والذهب أحمر ، وأما إلقام الملك الحجر ، فإنه إشارة إلى أنه لا يغني عنه شيئا ، وكذلك الربا ، فإن صاحبه يتخيل أن ماله يزداد ، والله من ورائه محقه . قوله : ( خازن جهنم ) إنما كان كريه الرؤية ، لأن في ذلك زيادة في عذاب أهل النار . قوله : ( وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ) وإنما اختص إبراهيم صلى الله عليه وسلم لأنه أبو المسلمين ، قال تعالى : ( ملة أبيكم إبراهيم ) [ الحج : 78 ] ، وقال تعالى : ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ) [ آل عمران : 68 ] قوله : ( وأما القوم الذين كانوا شطرا منهم حسن وشطرا منهم قبيح ) ، كذا في الموضعين بنصب الشطر . . . ولغير أبي ذر ( شطر ) في الموضعين بالرفع ، و ( حسنا ) و ( ( قبيحا ) بالنصب ، ولكل وجه . وفي حديث أبي أمامة : ( ثم انطلقنا ، فإذا نحن برجال ونساء أقبح شئ منظرا وأنتنه ريحا كأنما ريحهم المراحيض ، قلت : ما هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الزواني والزناة ، ثم انطلقنا ، فإذا نحن بموتى أشد شيئا انتفاخا وأنتنه ريحا ، قلت : ما هؤلاء ؟ قال : هؤلاء موتى الكفار ، ثم انطلقناه فإذا نحن برجال نيام تحت ظلال الشجر ، قلت : ما هؤلاء ؟ قال : هؤلاء موتى المسلمين ، ثم انطلقنا ، فإذا نحن برجال أحسن شئ وجها وأطيبه ريحا ، قلت : ما هؤلاء ؟ قال : هؤلاء هم الصديقون والشهداء والصالحون ) . وفي هذا الحديث من الفوائد : أن الإسراء وقع مرارا ، يقظة ومناما ، على أنحاء شتى ، وفيه أن العصاة يعذبون في البرزخ . وفيه نوع من تلخيص العلم ، وهو أن يجمع القضايا جملة ، ثم يفسرها على الولاء ، ليجتمع قصورها في الذهن ، والتحذير من النوم عن الصلاة المكتوبة ، وعن رفض القرآن لمن يحفظه ، وعن الزنا ، وأكل الربا ، وتعمد الكذب ، وأن الذي له قصر في الجنة لا يقيم فيه وهو في الدنيا بل إذا مات ، حتى النبي والشهيد . وفيه الحث على طلب العلم ، واتباع من يلتمس منه ذلك ، وفيه فضل الشهداء ، وأن منازلهم في الجنة أرفع المنازل ، ولا يلزم من ذلك أن يكونوا أرفع درجة من إبراهيم عليه السلام ، لاحتمال أن إقامته هناك بسبب كفالته الولدان ، ومنزله هو في المنزلة التي هي أعلى من منازل الشهداء ، كما تقدم في الإسراء ، أنه رأى آدم في السماء الدنيا ، وإنما كان كذلك لكونه يرى نسم بنيه من أهل الخير ومن أهل الشر ، فيضحك ويبكي ، مع أن منزلته هو في عليين ، فإذا كان يوم القيامة استقر كل منهم في منزلته . وفيه أن الاهتمام بأمر الرؤيا بالسؤال عنها ، وفضل تعبيرها ، واستحباب ذلك بعد صلاة الصبح ، لأنه الوقت الذي يكون فيه البال مجتمعا . وفيه استقبال الإمام أصحابه بعد الصلاة إذا لم يكن بعدها راتبة ، وأراد أن يعظهم أو يفتيهم ، أو يحكم بينهم . وفيه أن ترك استقبال القبلة للإقبال عليهم لا يكره ، بل يشرع كالخطيب . قال الكرماني : مناسبة العقوبات المذكورة فيه للجنايات ظاهرة إلا الزنا ففيها خفاء ، وبيانه أن العرى فضيحة كالزنا ، والزاني من شأنه طلب الخلوة فناسب التنور ، ثم خائف حذر حال الفعل كأن تحته نار . وقال أيضا : الحكمة في الاقتصار على من ذكر من العصاة دون غيرهم أن العقوبة تتعلق بالقول أو الفعل ، فالأول : على وجود ما لا ينبغي منه أن يقال . والثاني : إما بدني أو مالي ، فذكر لكل منهم مثال ينبه به على من عداه ، كما نبه بمن ذكر من أهل الثواب ، وأنهم أربع درجات : درجات النبي ، ودرجات الأمة أعلاها الشهداء ، وثانيها من بلغ ، وثالثها من كان دون البلوغ ( فتح الباري ) مختصرا .