ابن أبي جمهور الأحسائي
56
كاشفة الحال عن أحوال الاستدلال
التي لا يعرف تفصيلها إلّا واحدا ، اقتضت الحكمة بقاءه وكونه آخرهم ، ثم حصل بأسباب لا يمكننا الاطلاع على تفصيل مجموعها غيبته عن أهل هذا الوقت واستتاره بحجاب الاختفاء ، خوفا على نفسه من الأعداء ، أو لحصول مصلحة لا نعرفها . فتراكمت الظلمات لذلك فزادت الحاجة واشتدت ، إذ لم يسقط عنا التكليف بغيبته ، وكانت الأصول التي جاء بها الشارع وحفظها الخلفاء الراشدون بعده ، محفوظة عندنا بالنقل المتواتر أو غيره عنهم ، وكانت غير وافية بتعريف جميع أحكام الحوادث المتجددة تفصيلا ، وجب علينا أخذ أحكامها من تلك الأصول المحفوظة ، واستنباطها منها بالاستدلال المعتبر ، والطريق المرضي ، واحتجنا إلى ذلك غاية الحاجة ، لاحتياجنا إلى تعريف أحكام تلك الحوادث المتجددة ، لأنّا مكلفون بها ، ولا طريق لنا إليه سوى ما ذكرناه ، فكان ذلك هو الوجه في احتياجنا إلى معرفة كيفية الاستدلال ، لتوقف معرفة النبي على معرفة الموصل إليه . ولما كان الموصل هو الاستدلال ، احتيج إلى معرفته ، وكيفيته ، وشرائطه ، ليحصل للنفس كمالها الممكن لها ، وتوقّف على معرفة جميع أوامر اللّه معبودها ، ونواهيه ، بطريق العلم الثابت عندها ، عن الموصل للشريعة ، والحافظ لها بعده . وقد قرّر ذلك النبي صلّى اللّه عليه وآله في خبر معاذ ، فإنه لما بعثه قاضيا إلى اليمن ، قال له : « بم تحكم يا معاذ ؟ فقال بكتاب اللّه تعالى ، قال فإن لم تجد ؟ قال فبسنة رسول اللّه ، قال فإن لم تجد ؟ قال أجتهد رأيي ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله الحمد للّه الذي وفّق رسول اللّه لاجتهاد الرأي » « 1 » . وأراد معاذ رد أحكام تلك القضايا الجزئية ، التي لم يجدها منصوصة
--> ( 1 ) عوالي اللئالي للمؤلف : ج 1 ص 414 ح 83 ، مسند أحمد بن حنبل : ج 5 ص 230 .