ابن أبي جمهور الأحسائي
152
كاشفة الحال عن أحوال الاستدلال
وأمّا الخاتمة : فنقول : إذ قد عرفت ما أفدناه في هذه الفصول ، واطلعت على نفائس أسرار هذا المطلوب ، وعلمت بذلك سهولة الطريق ، وقرب المسافة وإزاحة العلل ، وقطع الموانع ، فشمّر العزم ، وجدّ في الطلب ، واقطع المراحل ، وسرّ في الطريق ، إذ لا عذر لك في التخلف عن لحوق الرفقة بعد رفع الاعذار ، ومعرفتك بسهولة المسلك وحاجتك إليه ، فحصّل الأهبة لتصلح للرحلة ، وأجمع الشرائط لتصل إلى المقصود ، واقطع عن نفسك علائق البطالة ، وجوّد النظر ، وأكثر من الفكر ، وكن دائم الحركة ، فإن فرضك السير والسلوك ، وقطع المراحل ، وإياك والسكون ، والتردد الخالي عن الجزم ، فانّه أقطع القواطع ، وأحجب الحجب عن الوصول إلى المراتب العلية ، ولا تكثر الالتفات إلى ما ورائك ، فإن لك في كل يوم عقبة ترقاها ، ومرحلة تقطعها ، تجد بها لنفسك الكمال ، وتقفوا بها آثار السلف الذين كانت هذه صفاتهم فاسبر أحوالهم وطالع في أقوالهم وانظر في تصرفاتهم في الحوادث ، لتكون سالكا مسلكهم ، وتابعا لآثارهم ، ومقتديا بأفعالهم ، تهتدي بهداهم الذي وفقهم إليه الحق جل وعلا ، بعد معرفته بمجاهدتهم ، وحق فيهم قوله وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا « 1 » فإذا اقتديت بهم وفقت لما وفقوا له ، وأفيض عليك من العنايات السبحانية ما يوصلك إلى مطالبهم التي وصلوا إليها على قدر استعدادك . وإياك وأهل البطالة ، والمتكاسلين عن مراتب السعادة ، والمتّكلين على تقليد الأموات ، فإنهم مصايد الشيطان واخوان الجهل ، فاحذرهم ان
--> ( 1 ) سورة العنكبوت : 69 .