محمد حسين بن بهاء الدين القمي
93
توضيح القوانين
ظهر في هذا المقام ان للواجبات اقسام منها ما وقع الخطاب به أصلا كونه مقلوبا ومقصودا بالذات للامر من غير أن يكون وجوبه للوصول إلى الغير كالصلاة والصوم وأمثالها كالعبادات التوقيفية المشروطة بالنية الغير المجتمعة مع الحرام مع عدم جواز قيام فعل الغير مقامه أيضا لان في خصوصية فعل المأمور مدخلية في الامتثال عند الامر فلذلك لا يسقط التكليف بفعل الغير ولا يخرج عن العهدة كما لا يخفى ومنها ما يكون وجوبه من جهة الوصول إلى الغير من غير أن يتعلق به خطاب قصدا بل الخطاب به تبعيته الخطاب الأصلي الآخر كوجوب المقدمة وهو المسمى بالواجب التوصلي التبعي الذي من لوازم الوجوب المدلول عليه بالخطاب الأصلي الغير المشترط بالنية في الفعل مع جواز اجتماعه مع الحرام من غير ترتب العقاب على تركه بل العقاب المترتب عليه انما هو من جهة ترك أصل الواجب لا من جهة ترك ما لا يتم الواجب إلّا به وهذا هو مختار الأستاذ دام ظله بل مختار جمع من المحققين أيضا على ما سيأتي ومنها ما يكون متعلقا للخطاب أصلا وكون من جهة الوصول إلى الغير وهو المسمّى بالوجوب الأصلي التوصلي وهو تصور على وجهين أحدهما معلومة الحكمة والعلة بمعنى ان المكلف يعلم أن الغرض من هذا الا الخطاب وفائدة امر الآمر به ليس الا من جهة الوصول إلى الغير وحصول ذلك الغير وذلك وإن كان تاركه مستحقا للعقاب والمذمة من جهة تعلق الخطاب به أصلا وجاز نياته فعل الغير مناف فعل المكلف وبه يسقط التكليف ويخرج عن العهدة من جهة كون وجوبه توصليا وحصول ما هو المقصود وللامر كغسل الثوب النجس وانقاذ الغريق واطفاء الحريق فإنه معلوم ان المقصود من وجوب الغسل والانقاذ والاطفاء ليس الا الاتيان بالصلاة في الثوب الطاهر واستخلاص النفس المحترمة لان حصل ما لا يتم الواجب إلّا به حصل به بفعل الغير أيضا غاية الأمر عدم الثواب له ح الا ان ينوى ذلك ثم تاب عنه فعل الغير فالثواب ح من جهة قصد الإطاعة كما لا يخفى وثانيهما غير معلوم العلة والحكمة بمعنى انه وان علم أن المراد به هو الوصول إلى الغير ولكن لا يعلم علته تخصيص المقدمة باشتراط الواجب وتوقفه عليها كالوضوء والغسل بالنسبة إلى الصّلاة وأمثالهما مما يجتمع فيه التوصلية والتوفيقية بالاعتبارين وقد عرفت ان عدم جواز مثل ذلك الواجب مع الحرام واتيانه على الوجه المنهى عنه وعدم جواز فعل الغير مقامه وعدم خروج المكلف عن العهدة بسبب فعل الغير انما هو من جهة التوقيفية إذا عرفت ذلك فاعلم أن القدر المسلم في وجوب المقدمة هو الوجوب التبعي التوصلي فالقائل بالوجوب ان أراد هو أيضا ذلك كما هو صريح بعض القائلين بالوجوب ففي الثمرات التي اخذها في محل النزاع محل تأمل وان أراد وجوب آخر أيضا غير الوجوب المذكور مستفادا من الخطاب الأصلي بمعنى كونها واجبة في حد ذاتها أيضا كما انها واجبة للوصول إلى الغير ليترتب عليه الثمرة من عدم الاجتماع مع الحرام من جهة كونها واجبة في حد ذاتها والعقاب على تركها من جهة كون وجوبها مستفادا من الخطاب الأصلي فانى لهم باثباته فليتدبر قوله دام ظله العالي وإلى هذا ينظر استدلالهم الآتي على اثبات وجوب مطلق المقدمة وهو استدلالهم بأنها لو لم يجب للزم اما التكليف بما لا يطاق أو خروج الواجب عن المطلق كونه واجبا إلى آخر الاستدلال بل وصريح بعضهم في الاستدلال بهذا هذا الاستلزام العقلي أيضا فلاحظ كلمات صاحب الأنيس ره في الاستدلال في وجوب المقدمة حيث قال انا قد بينّا في بحث الحسن والقبح ان الوجوب والحرمة العقليتين يستلزمان الوجوب والحرمة الشرعيين وكيف كان فلا يثبت بذلك الوجوب الذاتي المترتب عليه الثمرات المذكورة بل غاية ما ثبت بهذا الاستدلال هو الوجوب الغيري التبعي وقد ذكرنا ان ترتب الثمرات التي اجددها محل النزاع على مثل ذلك الواجب محل كلام فليتأمل قوله دام ظله العالي لعدم حصول الامتثال عرفا الا بقصد إطاعة الامر هذا إشارة إلى أن عدم حصول الامتثال العرفي في حق من ترك قصد إطاعة الامر يدل على أن النية شرط في الامتثال بالواجبات الأصلية الذاتية والواجبات التوصلية الأصلية التي لم يحصل العلم بانحصار الحكمة منها في شيء وذلك مثل ان السيّد إذا امر عبده بالسقي ولم يعتن بأمر المولى وخرج من منزله إلى رفقائه ثم خرج المولى أيضا عن هذا المكان إلى مكان آخر ففاجأه العبد عصاجا للماء لرفقائه وسقاه لم يعد ممتثلا ويذمه العقلاء على ترك الامتثال وقول العبد بان المقصود من « 1 » امر السقي وهو حاصل كيف ما كان غير مقبول عرفا كما يجده الوجدان فثبت ان فضل
--> ( 1 ) الامر