الميرزا القمي

417

القوانين المحكمة في الأصول ( طبع جديد )

وكذلك الكلام في قولهم : إنّ الدّخان يدلّ على النّار ، فإنّ محض تصوّر الدّخان وإحساسه ، لا يدلّ على النّار ، بل من حيث التّأمّل في أنّه من الأجزاء اللّطيفة المستحيلة من الحطب بمجاورة النّار ، وأنّه ملزوم النّار ، غاية الأمر أنّ بعض الانتقالات أقرب من بعض ، وبعضها يصير إلى حدّ ربّما يغفل عن مبادئ حصولها لكثرة المماسّة ، ومثل ذلك الدّلالات الطبيعيّة . وأمّا الدّلالات الوضعيّة فلها حيثيّتان أشرنا إليهما في مباحث العامّ والخاصّ ، إحداهما تصوّريّة والأخرى تصديقيّة . فاستحضار المعنى الموضوع له بحضور الشّيء الموضوع ، هو معناه التّصوّري . والتّصديق بأنّ ذلك هو المعنى الذي وضع له ذلك الشّيء ، هو معناه التّصديقيّ وهو لا يحصل من الوضع لاستلزامه الدّور كما أشرنا وبيّنّا أنّ الغرض من وضع الألفاظ إنّما هو التّركيب لا تفهيم المعاني . نعم ، يمكن تحصيل التّصديق بإرادة اللّافظ أو النّاصب ذلك المعنى ، نظرا إلى قاعدة الاستعمال كما بيّنّا ، وهو بهذا الاعتبار أيضا معلوم للقضيّتين . فدلالة مقدّمتي البرهان على النّتيجة أيضا دلالة عقليّة ، لأنّه يلزم من العلم به العلم بالنّتيجة ، وهو معنى الدّلالة ، ولا فرق بين دلالة العالم على الصّانع ودلالة الدّخان على النّار من حيث إنّه يحصل من التّأمّل في كلّ منهما ، باعتبار القضايا المتضمّنة فيها التّوصّل إلى مطلوب خبريّ . ثمّ إنّ الاستدلال والانتقال من المبادئ إلى المطلوب لا يختصّ بأهل النّظر ولا بفريق العلماء العرفاء بعلم المنطق وشرائط البرهان ، وإلّا فلم يحصل لأحد من النّاس يقين بمطلوب خبريّ ، ومن العيان الغنيّ عن البيان أنّ كلّ الناس يميّزون بين يقينيّاتهم وظنّيّاتهم ، ويسندون اعتقاداتهم وإذعاناتهم في أمور معاشهم إلى مبادئ ، وتلك المبادئ مترتّبة في أذهانهم على مراتبها الطّبيعيّة ، مع أنّهم لا