المقريزي
98
إمتاع الأسماع
وله من حديث عروة والقاسم ( يخبران ) ( 1 ) ، عن عائشة رضي الله عنها ، ( قالت : طيبت رسول بيدي بذريرة في حجة الوداع للحل والإحرام . ) . ذكره في ( كتاب ) اللباس ، وترجم عليه باب : الذريرة ( 2 ) . وخرجه مسلم في الحج ( 3 ) ، وأخرجا ( 4 ) من حديث شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن
--> ( 1 ) زيادة للسياق من البخاري . ( 2 ) ( فتح الباري ) : 10 / 454 ، كتاب اللباس ، باب ( 81 ) ، الذريرة ، حديث رقم ( 5930 ) . والذريرة ، بمعجمة وراءين بوزن عظيمة : هي نوع من الطيب مركب ، قال الداودي : تجمع مفرداته ثم تسحق وتنخل ، ثم تذر في الشعر والطوق ، فلذلك سميت ذريرة ، كذا قال ، وعلى هذا فكل طيب مركب ذريرة ، لكن الذريرة نوع من الطيب مخصوص ، يعرفه أهل الحجاز وغيرهم ، وجزم غير واحد - منهم النووي - بأنه فتات قصب طيب يجاء به من الهند . ( 3 ) ( مسلم بشرح النووي ) : 8 / 349 ، كتاب الحج ، باب ( 7 ) الطيب للمحرم عند الإحرام ، حديث رقم ( 35 ) ، وفيه دلالة على استحباب الطيب عند إرادة الإحرام ، وأنه لا بأس باستدامته بعد الإحرام وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام ، وهذا مذهبنا ، وبه قال خلائق من الصحابة التابعين ، وجماهير المحدثين والفقهاء ، ومنهم : سعد بن أبي وقاص ، وابن عباس ، وابن الزبير ، ومعاوية ، وعائشة ، وأم حبيبة ، وأبو حنيفة ، والثوري ، وأبو يوسف ، وأحمد ، وداود ، وغيرهم . وقال آخرون بمنعه ، منهم الزهري ، ومالك ، ومحمد بن الحسن ، وحكى أيضا عن جماعة من الصحابة والتابعين . قال القاضي : وتأول هؤلاء حديث عائشة هذا على أنه صلى الله عليه وسلم تطيب ثم اغتسل بعده ، فذهب الطيب قبل الإحرام . ويؤيد هذا قولها في الرواية الأخرى : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه ثم طاف على نسائه ، ثم أصبح محرما ، فظاهره أنه تطيب لمباشرة نسائه ، ثم زال بالغسل بعده ، لا سيما وقد نقل أنه كان يتطهر من كل واحدة قبل الأخرى ، ولا يبقى مع ذلك ، ويكون قولها : ثم أصبح ينضخ طيبا أي قبل غسله . وقد سبق في رواية لمسلم ( وللبخاري أيضا ) أن ذلك الطيب كان ذريرة ، وهي مما يذهبه الغسل . ( مسلم بشرح النووي ) : 8 / 348 - 349 . ( 4 ) ( فتح الباري ) : 3 / 505 ، كتاب الحج ، باب ( 18 ) الطيب عند الإحرام وما يلبس إذا أراد أن يحرم ، ويترجل ويدهن ، حديث رقم ( 1537 ) ، ( 1538 ) ، قوله : " كأني أنظر " ، أرادت بذلك قوة تحققها لذلك ، بحيث أنها لشدة استحضارها له كأنها ناظرة إليه . قوله : " في مفارق " ، جمع مفرق ، وهو المكان الذي يفترق فيه الشعر في وسط الرأس ، قيل : ذكرته بصيغة الجمع تعميما لجوانب الرأس التي يفرق فيها الشعر . وأخرجه مسلم في كتاب الحج ، باب ( 7 ) الطيب للمحرم عند الإحرام ، حديث رقم ( 40 ) : " لكأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يهل " ، وحديث رقم ( 41 ) : " كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلبي ، وحديث رقم ( 42 ) : " كأنما أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم ، وحديث رقم ( 43 ) : إن كنت لأنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم ، حديث ( 45 ) : " كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم ، قال الإمام النووي : وقولها : " كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم " ، المراد به أثره لا جرمه ، هذا كلام القاضي ، ولا يوافق عليه ، بل الصواب ما قاله الجمهور : أن الطيب مستحب للإحرام ، لقولها : طيبته لحرمه ، وهذا ظاهر في أن الطيب للإحرام لا للنساء ، ويعضده قولها : كأني أنظر إلى وبيص الطيب ، والتأويل الذي قاله القاضي غير مقبول لمخالفته الظاهر بلا دليل يحملنا عليه . وأما قولها : " ولحله قبل أن يطوف " ، فالمراد به طواف الإفاضة ، ففيه دلالة لاستباحة الطيب بعد رمي حجرة العقبة والحلق ، وقبل الطواف ، وهذا مذهب الشافعي والحلماء كافة ، إلا مالكا كرهه قبل طواف الإفاضة ، وهو محجوج بهذا الحديث . وقولها : " لحله " ، دليل على أنه حصل له تحلل ، وفي الحج تحللان يحصلان بثلاثة أشياء : رمي جمرة العقبة ، والحلق ، وطواف الإفاضة مع سعيه إن لم يكن سعى عقب طواف القدوم ، فإذا فعل الثلاثة حصل التحللان ، وإذا فعل اثنين منهما حصل التحلل الأول ، أي اثنين كانا ، ويحل بالتحلل الأول جميع المحرمات إلا الاستمتاع بالنساء ، فإنه لا يحل إلا بالثاني ، وقيل : يباح منهن غير الجماع بالتحلل الأول ، وهو قول بعض أصحابنا ، وللشافعي قول أنه لا يحل بالأول إلا اللبس ، والحلق ، وقلم الأظفار ، والصواب ما سبق ، والله تعالى أعلم . ( مسلم بشرح النووي ) : 8 / 349 - 351 .