المقريزي

92

إمتاع الأسماع

فصل في محبة النبي صلى الله عليه وسلم للطيب وتطيبه خرج الإمام أحمد من حديث ( السلام ) أبي المنذر ، عن ثابت عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : حبب إلي النساء ، والطيب ، وجعلت قرة عيني في الصلاة ( 1 ) . وخرجه الحاكم من حديث سيار بن حاتم ، حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس ( رضي الله عنه ) ، إلا أنه قال : وجعل ( 2 ) قرة عيني ، قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ( 3 ) . وخرجه النسائي ولفظه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حبب إلي من الدنيا ( 4 ) النساء والطيب ، وجعل قرة عيني في الصلاة ( 5 ) .

--> ( 1 ) ( مسند أحمد ) : 3 / 581 ، حديث رقم ( 111884 ) ، ( 11885 ) ، 4 / 54 - 55 ، حديث رقم ( 12644 ) ، 4 / 201 ، حديث رقم ( 13623 ) . ( 2 ) كذا في ( خ ) ، ( ج ) ، وفي المستدرك : " وجعلت " . ( 3 ) ( المستدرك ) : 2 / 174 ، حديث رقم ( 2676 ) ، وقال الحافظ الذهبي في ( التلخيص ) : على شرط مسلم . ( 4 ) قال العلامة ابن القيم : صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أنس رضي الله عنه صلى الله عليه وسلم قال : حبب إلي من دنياكم النساء ، والطيب ، وجعلت قرة عيني في الصلاة . هذا لفظ الحديث ، ومن رواه : حبب إلي من دنياكم ثلاث ، فقد وهم ، ولم يقل صلى الله عليه وسلم : ثلاث ، والصلاة ليست من أمور الدنيا التي تضاف إليها ، وكان النساء والطيب أحب شئ إليه صلى الله عليه وسلم . ( زاد المعاد ) : 1 / 150 ، فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في النكاح ومعاشرته أهله ، 4 / 250 ، فصل وأما الجماع والباه ، 4 / 336 ، حرف الطاء من فصل في ذكر شئ من الأدوية والأغذية المفردة التي جاءت على لسانه صلى الله عليه وسلم . ( 5 ) ( سنن النسائي ) : 7 / 72 ، كتاب عشرة النساء ، باب ( 1 ) حب النساء ، حديث رقم ( 3949 ) ، ( 3950 ) . قال الحافظ السيوطي : قال بعضهم : في هذا قولان : أحدهما : أنه زيادة في الابتلاء والتكليف ، حتى يلهو بما حبب إليه من النساء عما كلف من أداء الرسالة ، فيكون ذلك أكثر لمشاقه ، وأعظم لأجره . والثاني : لتكون خلواته مع ما يشاهدها من نسائه ، فيزول عنه ما يرميه به المشركون من أنه ساحر أو شاعر ، فيكون تحبيبهن إليه على وجه اللطف به ، وعلى القول الأول على وجه الابتلاء ، وعلى القولين فهو له فضيلة . وقال التستري في ( شرح الأربعين ) : من في هذا الحديث بمعنى : في ، لأن هذه من الدين لا من الدنيا ، وإن كانت فيها ، والإضافة في رواية دنياكم للإيذان بأن لا علاقة له بها . وفي هذا الحديث إشارة إلى وفائه صلى الله عليه وسلم ، بأصلي الدين ، وهما التعظيم لأمر الله ، والشفقة على خلق الله ، وهو كمالا قوتيه النظرية والعملية ، فإن كمال الأولى بمعرفة الله والتعظيم دليل عليها ، لأنه لا يتحقق بدونها ، والصلاة لكونها مناجاة الله تعالى ، على ما قال صلى الله عليه وسلم : المصلي يناجي ربه ، نتيجة التعظيم على ما يلوح من أركانها ووظائفها . وكمال الثانية في الشفقة وحسن المعاملة مع الخلق ، وأولى الخلق بالشفقة بالنسبة إلى كل واحد من الناس نفسه وبدنه ، كما قال صلى الله عليه وسلم : إبدأ بنفسك ثم بمن تعول ، والطيب أخص الذات بالنفس ومباشرة النساء ألذ الأشياء بالنسبة إلى البدن ، مع ما يتضمن من حفظ الصحة وبقاء النسل المستمر لنظام الوجود . ثم إن معاملة النساء أصعب من معاملة الرجال ، لأنهن أرق دينا وأضعف عقلا ، وأضيق خلقا ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن . فهو عليه السلام أحسن معاملتهن بحيث عوتب بقوله تعالى : ( تبتغى مرضاة أزواجك ) ، وكان صدور ذلك منه طبعا لا تكلفا ، كما يفعل الرجل ما يحبه من الأفعال . فإذا كانت معاملته صلى الله عليه وسلم معهن هذا ، فما ظنك بمعاملته مع الرجال ، الذين هم أكمل عقلا ، وأمثل دينا ، وأحسن خلقا . وقوله : وجعلت قرة عيني في الصلاة ، إشارة إلى أن كمال القوة النظرية أهم عنده وأشرف في نفس الأمر ، وأما تأخيره فللتدرج التعليمي من الأدنى إلى الأعلى ، وقدم الطيب على النساء لتقدم حظ النفس على حظ البدن في الشرف . وقال الحكيم الترمذي في ( نوادر الأصول ) : الأنبياء زيدوا في النكاح لفضل نبوتهم ، وذلك أن النور إذا امتلأ من الصدر ففاض في العروق التذت النفس والعروق فأثار الشهوة وقواها . وروي عن سعيد بن المسيب أن النبيين عليهم الصلاة والسلام يفضلون بالجماع على الناس . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : أعطيت قوة أربعين رجلا في البطش والنكاح ، وأعطى المؤمن قوة عشرة فهو صلى الله عليه وسلم بالنبوة ، والمؤمن بإيمانه ، والكافر له شهوة الطبيعة فقط . قال : وأما الطيب فإنه يزكي الفؤاد ، وأصل الطيب إنما خرج من الجنة ، تزوج آدم منها بورقة تستر بها ، فتركت عليه . وروى أحمد والترمذي ، من حديث أبي أيوب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أربع من سنن المرسلين : التعطر ، والحياء ، والنكاح ، والسواك . وقال الشيخ تقي الدين السبكي : السر في إباحة نكاح أكثر من أربع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن الله تعالى أراد نقل بواطن الشريعة وظواهرها ، وما يستحيا من ذكره وما لا يستحيا منه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الناس حياء ، فجعل الله تعالى له نسوة ينقلن ما يرينه من أفعاله ، ويسمعنه من أقواله ، التي قد يستحي من الإفصاح بها بحضرة الرجال ، ليكتمل نقل الشريعة ، وكثر عدد النساء ليكثر الناقلون لهذا النوع ، ومنهن عرف مسائل الغسل والحيض والعدة ونحوها . قال : ولم يكن ذلك لشهوة منه في النكاح ، ولا كان يحب الوطء البشرية - معاذ الله - وإنما حبب إليه النساء لنقلهن عنه ما يستحي هو من الإمعان في التلفظ به ، فأحبهن لما فيه من الإعانة على نقل الشريعة في هذه الأبواب . وأيضا فقد نقلن ما لم ينقله غيرهن مما رأينه في منامه وحالة خلوته من الآيات البينات على نبوته ، ومن جده واجتهاده في العبادة ، ومن أمور يشهد كل ذي لب أنها لا تكون إلا لنبي ، وما كان يشاهدها غيرهن ، فحصل بذلك خير عظيم . وقال الموفق عبد اللطيف البغدادي : لما كانت الصلاة جامعة لفضائل الدنيا والآخرة ، خصها بزيادة صفة ، وقدم الطيب لإصلاحه النفس ، وثنى بالنساء لإماطة أذى النفس بهن ، وثلث بالصلاة لأنها تحصل حينئذ . صافية عن الشوائب ، خالصة عن الشواغل . ( شرح الحافظ السيوطي على سنن النسائي ) : 7 / 72 - 73 ، كتاب عشرة النساء ، باب ( 1 ) حب النساء ، حديث رقم ( 3949 ) . وأخرجه ابن عدي في ( الكامل ) : 3 / 305 ) ، في ترجمة سلام بن أبي الصهباء رقم ( 36 / 768 ) ، ضعفه ابن حجر وقال الذهبي : الأولى أنه صدوق . وأخرجه العقيلي في ( الضعفاء الكبير ) 2 / 60 ، ترجمة سلام بن سليمان أبو المنذر القاري رقم ( 666 ) ، قال أبو حاتم : صدوق ، وقال ابن معين لا بأس به . قال العلامة نور الدين علي بن محمد بن سلطان المشهور بالملأ على القارئ في ( الأسرار المرفوعة ) : 176 ، حديث رقم ( 190 ) : حبب إلي من دنياكم ثلاث : الطيب والنساء ، وجعلت قرة عيني في الصلاة ، قال الزركشي : رواه النسائي والحاكم من حديث أنس بدون لفظ " ثلاث " . وقال السخاوي : لم أقف على لفظ " ثلاث " إلا في موضعين من الإحياء وفي تفسير آل عمران من الكشاف ، وما رأيتهما في شئ من طرق هذا الحديث ، بعد مزيد التفتيش . أما صحته من جهة المبنى ، فقد قال السيوطي في ( تخريج أحاديث الشفاء ) : لكن عند أحمد من حديث عائشة : كان يعجب نبي الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ثلاثة أشياء : النساء والطيب والطعام ، فأصاب اثنتين ، ولم يصب واحدة ، أصاب النساء والطيب ولم يصب الطعام . قال : إسناده صحيح . إلا أن فيه رجلا لم يسم . قلت : فيصير إسناده حسنا ، وأما صحته من جهة المعنى ، فلوقوع قرة عينه في الدنيا جعل كأنه منها ، ويؤيد ما جاء في رواية : " الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة " وهل المقصود بالصلاة : العبادة الموضوعة لسائر الأنام أو الصلاء عليه صلى الله عليه وسلم ؟ ثم قال محققه : بل يصير إسناده ضعيفا ، كما تقتضي بذلك قواعد علم المصطلح . ( الأسرار المرفوعة ) : 176 ، حديث رقم ( 160 ) ، ( المقاصد الحسنة ) : 292 - 293 ، حديث رقم ( 380 ) . قال الحافظ ابن حجر : أخرجه النسائي من طريق سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان ، ومن طريق سلام بن مسكين ، كلاهما عن ثابت عن أنس ، ومن طريق سيار . رواه أحمد في ( الزهد ) ، والحاكم في ( المستدرك ) ، ومن طريق سلام أخرجه أحمد وابن أبي شيبة ، وابن سعد ، والبزار ، وأبو يعلى ، وابن عدي في ( الكامل ) وأعله به ، والعقيلي في ( الضعفاء ) كذلك . وقال الدارقطني في علله : رواه أبو المنذر سلام ، وسلام بن أبي الصهباء ، وجعفر بن سليمان ، فرووه عن ثابت عن أنس ، وخالفهم حماد بن زيد عن ثابت مرسلا . . وكذا رواه محمد بن ثابت البصري ، والمرسل أشبه بالصواب . وقد رواه عبد الله بن أحمد في ( زيادات الزهد ) عن غير أبيه من طريق يوسف بن عطية ، عن ثابت مرسلا ، ويوسف ضعيف . وله طريق أخرى معلولة عند الطبراني في الأوسط ، عن محمد بن عبد الله الحضرمي ، عن يحيى ابن عثمان الحربي ، عن الهقل بن زياد ، عن الأوزاعي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس مثله . قال الحافظ ابن حجر : ليس في شئ من طرقه لفظ : " ثلاث " بل أوله عند الجميع : " حبب إلي من دنياكم النساء . . . " وزيادة " ثلاث " تفسد المعنى ( الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ) : 27 ، حديث رقم ( 229 ) ، ( إحياء علوم الدين ) 2 / 50 ، 2 / 65 ، 3 / 341 ، 4 / 454 .