المقريزي
392
إمتاع الأسماع
قال : وأمره فحسا منه حسوات ، قال : فقام فراح مع الركب ، فقال جعفر بن برقان للزهري : ما كان نعد هذا حقا ، فقال بل هي السنة . قال أبو عمر : وأحسن شئ في تفسير الاغتسال للمعين ( حقا ) ما وصفه الزهري ، وهو راوي الحديث ( 1 ) . وذكر عن طريق قاسم بن أصبغ ، حديث ابن أبي ذؤيب ، عن الزهري ، عن أبي أمامة بن سهل ، عن أبيه ، أن عامرا مر به وهو يغتسل ، فقال : ما رأيت كاليوم ولا جلدة مخبأة ، قال : فلبط به ، حتى ما يعقل لشدة الوجع ، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتغيظ عليه ، فدعاه النبي ( عليه السلام ) فقال : قتلته ؟ علام يقتل أحدكم أخاه ؟ ألا بركت ؟ فأمر النبي ( عليه السلام ) بذلك ، فقال : اغسلوه ، فخرج مع الركب . قال : وقال الزهري : إن هذا من العلم ، يغتسل له الذي عانه ، ( يؤتى ) بقدح من ماء ، فيدخل يده في القدح ، فيمضمض ، ويمجه في القدح ، ويغسل وجهه في القدح ، ثم يصب بيده اليسرى على كفه اليمنى ، ثم بكفه اليمنى على كفه اليسرى ، ثم يدخل يده اليسرى ، فيصب بها على مرفق يده اليمنى ، ثم بيده اليمنى على مرفق يده اليسرى ، ثم يغسل قدمه اليمنى ، ثم يدخل ( يده ) اليمنى ، فيغسل قدمه اليسرى ، ثم يدخل يده اليمنى فيغسل الركبتين ، ثم يأخذ داخلة إزاره ، فيصب على رأسه صبة واحدة تجري على جسده ، ولا يوضع القدح حتى يفرغ ( 2 ) .
--> ( 1 ) راجع التعليق السابق . ( 2 ) سبق ذكر في التعليقات السابقة . وحديث الاغتسال للمعين ذكره ابن ماجة في ( السنن ) : 2 / 1160 ، كتاب الطب ، باب ( 32 ) العين ، حديث رقم ( 3509 ) ، وأخرجه ابن أبي شيبة في ( المصنف ) : 5 / 49 ، كتاب الطب ، باب ( 27 ) من رخص في الرقية من العين ، حديث رقم ( 33585 ) ، وفيه صفة الوضوء عن الزهري وحديث رقم ( 33586 ) ، عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تأمر العائن أن يتوضأ فيغسل الذي أصابته العين ، وحديث رقم ( 33587 ) عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " العين حق ، وإذا استغسل أحدكم فليغتسل " . والبيهقي في ( السنن الكبرى ) : 9 / 352 ، كتاب الضحايا ، باب الاغتسال للمعين . قال العلامة ابن القيم في ( زاد المعاد ) : والعين عينان : عين إنسية ، وعين جنية ، فقد صح عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة ، فقال صلى الله عليه وسلم : " استرقوا لها فإن لها النظرة ( أخرجه البخاري في الطب ، باب رقبة العين ، ومسلم في السلام باب رقبة العين ، والسفعة - بفتح السين ويجوز ضمها - سواد في الوجه ، ومنه سفعة الفرس : سواد ناصيته ، وعن الأصمعي : حمرة يعلوها سواد ، وقيل : صفرة ، وقيل : سواد مع لون آخر ، وقال : ابن قتيبة : لون يخالف لون الوجه ، وكلها متقاربة ) . وعن أبي سعيد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من الجان ، ومن عين الإنسان ( أخرجه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ، وحسنه الترمذي ، وتمامه : فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك ) . فأبطلت طائفة ممن قل نصيبهم من السمع والعقل أمر العين ، وقالوا : إنما ذلك أوهام لا حقيقة لها ، وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل ، ومن أغلظهم حجابا ، وأكثفهم طباعا ، وأبدعهم معرفة عن الأرواح والنفوس ، وصفاتها ، وأفعالها ، وتأثيراتها . وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع العين ولا تنكره ، وإن اختلفوا في سببه وجهه تأثير العين . فقالت طائفة : إن العائن إذا تكيفت نفسه بالكيفية الرديئة ، انبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيتضرر . قالوا : ولا يستنكر هذا كما لا يستنكر انبعاث قود سمية من الأفعى تتصل بالإنسان ، فيهلك ، وهذا أمر قد اشتهر عن نوع من الأفاعي أنها إذا وقع بصرها على الإنسان هلك ، فكذلك العائن . وقالت فرقة أخرى : لا يستبعد أن ينبعث من عين بعض الناس جواهر لطيفة غير مرئية ، فتتصل بالمعين ، وتتخلل مسام جسمه فيحصل له الضرر . وقالت فرقة أخرى : قد أجرى الله العادة بخلق ما يشاء من الضرر عند مقابلة عين العائن لمن يعينه ، من غير أن يكون منه قوة ولا سبب ولا تأثير أصلا ، وهذا مذهب منكري الأسباب والقوى والتأثيرات في العالم ، وهؤلاء قد سددوا على أنفسهم باب العلل والتأثيرات والأسباب ، وخالفوا العقلاء أجمعين . ولا ريب أن الله سبحانه خلق في الأجسام والأرواح قوى وطبائع مختلفة ، وجعل في كثير منها خواص وكيفيات مؤثرة ، ولا يمكن لعاقل إنكار الأرواح في الأجسام ، فإنه أمر مشاهد ومحسوس . فأنت ترى الوجه كيف يحمر حمرة شديدة إذا نظر إليه من يحتشمه ويستحي منه ، ويصفر صفرة شديدة عند نظر من يخافه إليه ، وقد شاهد الناس من يسقم من النظر وتضعف قواه ، وهذا كله بواسطة تأثير الأرواح لشدة ارتباطها بالعين ينسب إليها ، وليست هي الفاعلة ، وإنما التأثير للروح . والأرواح مختلفة في طبائعها ، وقواها ، وكيفياتها ، وخواصها ، فروح الحاسد مؤذية للمحسود أذى بينا ، ولهذا أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ من شره ، وتأثير الحاسد في أذى المحسود أمر لا ينكره إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية ، وهو أصل الإصابة بالعين : فإن النفس الخبيثة الحاسدة تتكيف بكيفية خبيثة ، تقابل المحسود ، فتؤثر فيه بتلك الخاصية . وأشبه الأشياء بهذا الأفعى ، فإن السم كامن فيها بالقوة ، فإذا قابلت عدوها انبعثت منها قوة غضبية ، وتكيفت بكيفية خبيثة مؤذية ، فمنها ما تشتد كيفيتها وتقوى حتى تؤثر في إسقاط الجنين ، ومنها ما تؤثر في طمس البصر ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأبتر وذوي الطفيتين من الحيات : " إنهما يلتمسان البصر ويسقطان الحبل " ( أخرجه البخاري في بدء الخلق ، باب قول الله تعالى : ( وبث فيها من كل دابة ) ، ومسلم في السلام ، باب قتل الحيات وغيرها ، من حديث ابن عمر ، والطفيتان : هما الخطان الأبيضان على ظهر الحية ، والأبتر : قصير الذنب ، وقوله : يلتمسان البصر ، قال الخطابي : فيه تأويلان ، أحدهما : معناه يخطفان البصر ويطمسانه بمجرد نظرهما إليه ، بخاصية جعلها الله تعالى في بصريهما إذا وقع على بصر الإنسان ، والثاني : أنهما يقصدان البصر باللسع والنهش ، والأول أصح وأشهر ) . ومنها ما تؤثر في الإنسان كيفيتها بمجرد الرؤية من غير اتصال به ، لشدة خبث تلك النفس ، وكيفيتها الخبيثة المؤثرة ، والتأثير غير موقوف على الاتصالات الجسمية ، كما يظنه من قل علمه ومعرفته بالطبيعة والشريعة . بل التأثير يكون تارة بالاتصال ، وتارة بالمقابلة ، وتارة بالرؤية ، وتارة بتوجه الروح نحو من يؤثر فيه ، وتارة بالأدعية والرقى والتعوذات ، وتارة بالوهم والتخيل . ونفس العائن لا يتوقف تأثيرها على الرؤية ، بل قد يكون أعمى فيوصف له الشئ ، فتؤثر نفسه فيه ، وإن لم يره ، وكثير من العائنين يؤثر في المعين بالوصف من غير رؤية . وقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ) ( القلم : 51 ) ، وقال : ( قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق * ومن شر غاسق إذا وقب * ومن شر النفاثات في العقد * ومن شر حاسد إذا حسد ) ( سورة الفلق ) . فكل عائن حاسد ، وليس كل حاسد عائنا ، فلما كان الحاسد أعم من العائن ، كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن ، وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين تصيبه تارة وتخطئه تارة ، فإن صادفته مكشوفا لا وقاية عليه ، أثرت فيه ، ولا بد وإن صادفته حذرا شاكي السلاح لا منفذ فيه للسهام ، لم تؤثر فيه ، وربما ردت السهام على صاحبها ، وهذا بمثابة الرمي الحسى سواء . فهذا من النفوس والأرواح ، وذاك من الأجسام والأشباح ، وأصله من إعجاب العائن بالشئ ، ثم تتبعه كيفية نفسه الخبيثة ، ثم تستعين على تنفيذ سمها بنظرة إلى المعين ، وقد يعين الرجل نفسه ، وقد يعين بغير إرادته ، بل بطبعه ، وهذا أردأ من يكون من النوع الإنساني . وقد قال أصحابنا وغيرهم من الفقهاء : إن من عرف بذلك ، حبسه الإمام ، وأجرى له ما ينفق عليه إلى الموت ، وهذا هو الصواب قطعا . ( زاد المعاد ) : 4 / 164 - 168 .