المقريزي

387

إمتاع الأسماع

العين حق ودواء المصاب خرج البخاري ومسلم ( 1 ) ، من حديث مسلم بن إبراهيم ، قال : أخبرنا وهيب عن ابن طاووس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ( رضي الله عنهما ) ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : العين حق ، ولو كان شئ سابق القدر ، سبقته العين ، وإذا استغسلتم فاغسلوا ( 2 ) .

--> ( 1 ) في ( الأصلين ) : " مسلم والنسائي " والصواب ما أثبتناه . وفي هذا الحديث سر طبي لطيف ، فإن المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوع صادق طبيعي ، وكان فيه ضرر ما ، كان أنفع وأقل ضررا مما لا يشتهيه ، وإن كان نافعا في نفسه ، فإن صدق شهوته ، ومحبة الطبيعة يدفع ضرره ، وبغض الطبيعة وكراهتها للنافع ، قد يجلب لها منه ضررا . وبالجملة : فاللذيذ المشتهى تقبل الطبيعة عليه بعناية ، فتهضمه على أحمد الوجوه ، سيما عند انبعاث النفس إليه بصدق الشهوة ، وصحة القوة ، والله تعالى أعلم . ( زاد المعاد ) : 4 / 106 . ( 2 ) ( فتح الباري ) : 10 / 249 ، كتاب الطب ، باب ( 36 ) العين حق ، حديث رقم ( 5740 ) ولفظه : " عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : العين حق . ونهى عن الوشم " ، وأخرجه أيضا بسنده ولفظه في كتاب اللباس ، باب ( 86 ) الواشمة ، حديث رقم ( 5944 ) . قوله : " العين حق " ، أي الإصابة بالعين شئ موجود ، أو هو من جملة ما تحقق كونه . قال المازري : أخذ الجمهور بظاهر الحديث ، وأنكره طوائف المبتدعة لغير معنى ، لأن كل شئ ليس محالا في نفسه ، ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ، ولا إفساد دليل ، فهو من متجاوزات العقول ، فإذا أخبر الشرع بوقوعه لم يكن لإنكاره معنى ، وهل من فرق بين إنكارهم هذا وإنكارهم ما يخبر به من أمور الآخرة ؟ ( فتح الباري ) . قوله : " العين حق ونهى عن الوشم " ، لم تظهر المناسبة بين هاتين الجملتين ، فكأنهما حديثان مستقلان ، ولهذا حذف مسلم وأبو داود الجملة ا لثانية من روايتهما ، مع أنهما أخرجاه من رواية عبد الرزاق ، الذي أخرجه البخاري من جهته ، ويحتمل أن يقال : المناسبة بينهما اشتراكهما في أن كلا منهما يحدث في العضو لونا غير لونه الأصلي . والوشم بفتح الواو وسكون المعجمة : أن يغرز إبرة أو نحوها في موضع من البدن حتى يسيل الدم ، ثم يحشى ذلك الموضع بالكحل أو نحوه فيخضر ( فتح الباري ) . قال الحافظ في ( الفتح ) : وقد ظهرت لي مناسبة بين هاتين الجملتين لم أر من سبق إليها ، وهي أن من جملة الباعث على الوشم تغير صفة الموشوم لئلا تصيبه العين ، فنهى عن الوشم مع إثبات العين ، وأن التحيل بالوشم وغيره مما لا يستند إلى تعليم الشارع لا يفيد شيئا ، وأن الذي قدره الله سيقع . وأخرجه مسلم من حديث ابن عباس رفعه : " العين حق ، ولو كان شئ سابق القدر لسبقته العين ، وإذا استغسلتم فاغسلوا " ( سيأتي شرحه ) . فأما الزيادة الأولى ، ففيها تأكيد وتنبيه على سرعة نفوذها وتأثيره في الذات ، وفيها إشارة إلى الرد على من زعم من المتصوفة أن قوله : " العين حق " يريد به القدر أي العين التي تجري منها الأحكام ، فإن عين الشئ حقيقته ، والمعنى أن الذي يصيب من الضرر بالعادة عند نظر الناظر ، إنما هو بقدر الله السابق ، لا بشئ يحدثه الناظر في المنظور . ووجه الرد : أن الحديث ظاهر في المغايرة بين القدر وبين العين ، وإن كنا نعتقد أن العين من جملة المقدور ، لكن ظاهره إثبات العين التي تصيب ، إما بما جعل الله تعالى فيها من ذلك وأودعه فيها ، وإما بإجراء العادة بحدوث الضرر عند تحديد النظر ، وإنما جرى الحديث مجرى المبالغة في إثبات العين ، لا أنه يمكن أن يرد القدر شئ ، إذ القدر عبارة عن سابق علم الله ، وهو لا راد لأمره ، أشار إلى ذلك القرطبي . وحاصله لو فرض أن شيئا له قوة بحيث يسبق القدر لكان العين ، لكنها لا تسبق ، فكيف غيرها . ( فتح الباري ) . وأخرجه الإمام مسلم في ( صحيحه بشرح النووي ) : 14 / 422 - 424 ، كتاب السلام ، باب ( 16 ) الطب والمرض والرقي ، حديث رقم ( 2187 ) ولفظه : " العين حق " ، وحديث رقم ( 2188 ) بزيادة : ولو كان شئ سابق القدر سبقته العين ، وإذا استغسلتم فاغسلوا " . قال الحافظ في ( الفتح ) : وأما الزيادة الثانية وهي أمر العاين بالاغتسال عند طلب المعيون منه ذلك ، ففيها إشارة إلى أن الاغتسال لذلك كان معلوما بينهم ، وأمرهم أن لا يمتنعوا منه إذا أريد منهم ، وظاهر الأمر الوجوب ، وحكى المازري فيه خلافا وصحح الوجوب وقال متى خشي الهلاك ، وكان اغتسال العائن مما جرت العادة الشفاء به فإنه يتعين . وقد وقع في حديث سهل من حنيف عند أحمد والنسائي وصححه ابن حبان من طريق الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف " أن أباه حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وساروا معه نحو ماء ، حتى إذا كانوا بشعب الخرار من الجحفة ، اغتسل سهل بن حنيف - وكان أبيض حسن الجسم والجلد - فنظر إليه عامر بن ربيعة فقال : ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة ، فلبط - أي صرع وزنا ومعنى - سهل . فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هل تتهمون به من أحد ؟ قالوا : عامر بن ربيعة ، فدعا عامر فتغيظ عليه ، فقال : علام يقتل أحدكم أخاه ؟ هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت ؟ ثم قال اغتسل له ، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه ، وأطراف رجليه ، وداخله إزاره في قدح ، ثم يصب ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه وظهره ، ثم يكفأ القدح ، ففعل به ذلك ، فراح سهل مع الناس ليس به بأس " لفظ أحمد من رواية أبي أويس عن الزهري . ( فتح الباري ) ، ومنه تنبيهات : الأول : اقتصر النووي في ( الأذكار ) على قوله : الاغتسال أن يقال للعائن : اغسل داخله إزاك مما يلي الجلد ، فإذا فعل صبه على المنظور إليه ، وهذا يوهم الانتصار على ذلك ، وهو عجيب ، ولا سيما وقد نقل في ( شرح مسلم ) كلام عياض بطوله . الثاني : قال المازري : هذا المعنى مما لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه من جهة العقل فلا يرد لكونه لا يعقل معناه ، وقال ابن العربي : إن توقف فيه متشرع قلنا له : قال الله ورسوله أعلم - وقد عضدته التجربة ، وصدقته المعاينة ، أو متفلسف ، فالرد عليه أظهر ، لأن عنده الأدوية تفعل بقواها ، وقد تفعل بمعنى لا يدرك ، ويسمون ما هذا سبيله الخواص . الثالث : هذا الغسل ينفع بعد استحكام النظرة ، فأما عند الإصابة وقبل الاستحكام ، فقد أرشد الشارع إلى ما يدفعه بقوله في قصة سهل بن حنيف المذكور كما مضى : " إلا بركت عليه " ، وفي رواية ابن ماجة : " فليدع بالبركة " ، ومثله عند ابن السني من حديث عامر بن ربيعة . وأخرج البزاز وابن السني من حديث أنس رفعه : " من رأى شيئا . وأعجبه فقال : ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، لم يضره " . وفي الحديث من الفوائد أيضا : أن العائن إذا عرف يقضى عليه بالاغتسال ، وأن الاغتسال من النشرة النافعة ، وأن العين تكون مع الاعجاب ، ولو بغير حسد ، ولو من الرجل المحب ، ومن الرجل الصالح . وأن الذي يعجبه الشئ ينبغي أن يبادر إلى الدعاء للذي يعجبه بالبركة ، ويكون ذلك رقية منه ، وأن الماء المستعمل طاهر ، وفيه جواز الاغتسال بالفضاء ، وأن الإصابة بالعين قد تقتل . وقد اختلف في جريان القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه بحيث يصير عادة ، وهو في ذلك كالساحر عند من لا يقتله كفرا ، وقال النووي في ( الروضة ) : لا دية فيه ولا كفارة .