المقريزي
380
إمتاع الأسماع
فصل في طب رسول الله صلى الله عليه وسلم ( * )
--> * - قال العلامة ابن القيم : المرض نوعان : مرض القلوب ، ومرض الأبدان ، وهما مذكوران في القرآن ومرض القلوب نوعان : مرض شبهة وشك ، ومرض شهوة وغي ، وكلاهما في القرآن . قال تعالى في مرض الشبهة : ( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ) ( البقرة : 10 ) ، وقال تعالى : ( وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا ) ( المدثر : 31 ) . وقال تعالى في حق من دعى إلى تحكيم القرآن والسنة ، فأبى وأعرض : ( وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق معرضون * وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين * أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون ) ( النور : 48 - 50 ) ، فهذا مرض الشبهات والشكوك . وأما مرض الشهوات فقال تعالى : ( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ) ( الأحزاب : 32 ) ، فهذا مرض شهوة الزنى ، والله تعالى أعلم . وأما مرض الأبدان ، فقال تعالى : ( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ) ( النور : 61 ) ، وذكر مرض البدن في الحج والصوم والوضوء لسر بديع يبين لك عظمة القرآن ، والاستغناء به لمن فهمه وعقله عن سواه ، وذلك أن قواعد طب الأبدان ثلاثة : حفظا للصحة ، والحمية عن المؤذى ، واستفراغ المواد الفاسدة . فذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة في هذه المواضع الثلاثة : فقال في آية الصوم : ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) ( البقرة : 184 ) ، فأباح الفطر للمريض لعذر المرض ، وللمسافر طلبا لحفظ صحته وقوته ، لئلا يذهبها الصوم في السفر ، لاجتماع شدة الحركة ، وما يوجبه من التحليل ، وعدم الغذاء الذي يخلف ما تحلل ، فتخور القوة وتضعف ، فأباح للمسافر الفطر ، حفظا لصحته وقوته عما يضعفها . وقال في آية الحج : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأوه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) ( البقرة : 196 ) ، فأباح للمريض ، ومن به أذى من رأسه ، من قمل ، أو حكة ، أو غيرهما ، أن يحلق رأسه في الإحرام ، استفراغا لمادة الأبخرة الرديئة التي أوجبت له الأذى في رأسه باحتقانها تحت الشعر ، فإذا حلق رأسه ، تفتحت المسام ، فخرجت تلك الأبخرة منها . فهذا الاستفراغ يقاس عليه كل استفراغ يؤذي احتباسه ، والأشياء التي يؤذي انحباسها ومدافعتها عشرة : الدم إذا هاج ، والمنى إذا تبيغ ، والبول ، والغائط ، والريح ، والقئ ، والعطاس ، والنوم ، والجوع ، والعطش . وكل واحد من هذه العشرة يوجب حبسه داء من الأدواء بحبسه . وقد نبه سبحانه باستفراغ أدناها ، وهو البخار المحتقن في الرأس ، على استفراغ ما هو أصعب منه كما هي طريقة القرآن في التنبيه بالأدنى على الأعلى . وأما الحمية : فقال تعالى في آية الوضوء : ( وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ) ( النساء : 43 ) ، فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حمية له أن يصيب جسده ما يؤذيه ، وهذا تنبيه على الحمية عن كل مؤذ له من داخل أو خارج ، فقد أرشد - سبحانه - عباده إلى أصول الطب ومجامع قواعده ، ونحن نذكر هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتبين أن هديه فيه أكمل هدى . فأما طب الأبدان فإنه نوعان : نوع قد فطر الله عليه الحيوان ناطقة وبهيمه ، فهذا لا يحتاج فيه إلى معالجة طبيب ، كطب الجوع ، والعطش ، والبرد والتعب بأضدادها وما يزيلها . والثاني : ما يحتاج إلى فكر وتأمل ، كدفع الأمراض المتشابهة الحادثة في المزاج ، بحيث يخرج بها عن الاعتدال ، إما إلى حرارة ، أو برودة ، أو يبوسة ، أو رطوبة ، أو ما يتركب من اثنين منها . فالطبيب هو الذي يفرق بين ما يضر بالإنسان جمعه ، أو يجمع فيه ما يضره تفرقه ، أو ينقص منه ما يضره زيادته ، أو يزيد فيه ما يضره نقصه ، فيجلب الصحة المفقودة ، أو يحفظها بالشكل والشبه ، ويدفع العلة الموجودة بالضد والنقيض ، ويخرجها ، أو يدفعها بما يمنع من حصولها بالحمية . فكان من هديه صلى الله عليه وسلم فعل التداوي في نفسه ، والأمر به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه ، ولكن لم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم ولا هدى أصحابه استعمال هذه الأدوية المركبة ، التي تسمى : أقرباذين ، بل كان غالب أدويتهم بالمفردات ، وربما أضافوا إلى المفرد ما يعاونه ، أو بكسر سورته ، وهذا غالب طب الأمم على اختلاف أجناسها من العرب والترك ، وأهل البوادي قاطبة ، وإنما عني بالمركبات الروم واليونان ، وأكثر طب الهند بالمفردات . وقد اتفق الأطباء على أنه متى أمكن التداوي بالغذاء لا يعدل عنه إلى الدواء ، ومتى أمكن بالبسيط لا يعدل عنه بالمركب . قالوا وكل داء قدر على دفعه بالأغذية والحمية ، لم يحاول دفعه بالأدوية . وفي قوله صلى الله عليه وسلم : " لكل داء دواء " تقوية لنفس المريض والطبيب ، وحث على طلب ذلك الدواء والتفتيش عليه ، فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيله ، تعلق قلبه بروح الرجاء ، وبردت عنده حرارة اليأس ، وانفتح له باب الرجاء . وكذلك الطبيب إذا علم أن لهذا الداء دواء أمكنه طلبه والتفتيش عليه ، وأمراض الأبدان على وزن أمراض القلوب ، وما جعل الله للقلب مرضا إلا جعل له شفاء بضده ، فإن علمه صاحب الداء واستعمله ، وصادف داء قلبه ، أبرأه بإذن الله تعالى . ( زاد المعاد ) : 4 / 5 - 17 ، مختصرا .