المقريزي

29

إمتاع الأسماع

الإهلال ، فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته ( 1 ) .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في كتاب الطهارة ، باب ( 30 ) غسل الرجلين في النعلين ولا يمسح على الخفين ، حديث رقم ( 166 ) ، وكتاب الحج باب ( 2 ) قول الله تعالى : ( يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ) ( الحج : 27 ) ، حديث رقم ( 1514 ) ، باب ( 28 ) من أهل حين استوت راحلته قائمة ، حديث رقم ( 1552 ) ، باب ( 9 ) من لم يستلم إلا الركنين اليمانين ، حديث رقم ( 1608 ) ، ( 1609 ) ، كتاب الجهاد والسير ، باب ( 53 ) الركاب والغرز للدابة ، حديث رقم ( 2865 ) ، كتاب اللباس ، باب ( 37 ) النعال السبتية وغيرها ، حديث رقم ( 5851 ) . ومسلم في كتاب الحج ، باب ( 5 ) الإهلال من حيث تنبعث الراحلة ، حديث رقم ( 1187 ) . وأبو داود في ( السنن ) ، كتاب المناسك ، باب ( 21 ) في وقت الإحرام ، حديث رقم ( 1772 ) ، كتاب الترجل ، باب ( 19 ) ما جاء في خضاب الصفرة ، حديث رقم ( 4210 ) . والنسائي في ( السنن ) ، كتاب الطهارة ، باب ( 95 ) الوضوء في النعل ، حديث رقم ( 117 ) ، كتاب الزينة ، باب ( 65 ) ، تصفير اللحية ، حديث رقم ( 5258 ) ، كتاب الحج ، باب ( 56 ) ، العمل في الإهلال ، حديث رقم ( 2757 ) ، ( 2758 ) ، ( 2759 ) . والترمذي في ( الشمائل ) ، باب ( 11 ) ما جاء في نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حديث رقم ( 79 ) . وابن ماجة في ( السنن ) ، كتاب اللباس ، باب ( 34 ) الخضاب بالصفرة ، حديث رقم ( 3626 ) . ومالك في ( الموطأ ، كتاب الحج ، باب العمل في الإهلال ، حديث رقم ( 738 ) . وابن سعد في ( الطبقات ) : 1 / 482 في ذكر نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم " النعال السبتية " بكسر السين المهملة وسكون الموحدة ففوقية ، أي التي لا شعر فيها ، مشتق من السبت وهو الحلق ، قاله الأزهري ، أو لأنها سبتت بالدباغ أي لانت . قال أبو عمرو الشيباني : السبت كل جلد مدبوغ . وقال أبو زيد : جلود البقر مدبوغة أم لا ، أو نوع من الدباغ يقلع الشعر ، أو جلد البقر المدبوغ بالقرظ . وقيل بالسبت بضم أوله ، نبت يدبغ به . قاله صاحب ( المنتهى ) . وقال الداودي : هي منسوبة إلى موضع يقال له : سوق السبت وقال ابن وهب : كانت سوداء لا شعر فيها ، وقيل : هي التي لا شعر عليها أي لون كانت ، ومن أي جلد ، بأي دباغ دبغت . وقال عياض في ( الإكمال ) : الأصح عندي أن اشتقاقها وإضافتها إلى السبت الذي هو الجلد المدبوغ أو إلى الدباغة ، لأن السين مكسورة ، ولو كانت من السبت الذي هو الحلق - كما قال الأزهري وغيره ، لكانت النسبة سبتية بالفتح ، ولم يروها أحد في هذا الحديث ولا غيره ولا في الشعر فيما علمت إلا بالكسر ، وقال : وكان من عادة العرب لبس النعال بشعرها غير مدبوغة ، وكانت المدبوغة تعمل بالطائف ، ويلبسها أهل الرفاهية . قوله : " ورأيتك تصبغ " بضم الموحدة ، وحكى فتحها وكسرها " بالصفرة " ثوبك أو شعرك ، " ورأيتك إذا كنت " مستقرا " بمكة أهل الناس " أي رفعوا أصواتهم بالتلبية للإحرام بحج أو عمرة " إذا رأوا الهلال " أي هلال ذي الحجة " ولم تهلل " بلامين بفك الإدغام " أنت حتى يكون " أي يوجد ، وفي رواية كان أي وجد " يوم " بالرفع فاعل يكون التامة ( غير مضارع كان الناقصة ) ، والنصب خبر على أنها ناقصة " التروية " ثامن ذي الحجة ، لأن الناس كانوا يروون فيه من الماء ، أي يحملونه من مكة إلى عرفات ليستعملوه شربا وغيره ، وقيل غير ذلك " فتهل أنت " وتبين من جوابه أنه كان لا يهل حتى يركب قاصدا إلى منى . قوله : " فقال عبد الله بن عمر : أما الأركان فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمس " وفي رواية : " يستلم " منها " إلا " الركنين " اليمانيين " بالتخفيف لأنهما على قواعد إبراهيم ، ومسهما واستلامهما مختلف . فالعراقي مسه وهو استلامه بالتقبيل لاختصاصه بالحجر الأسود إن قدر وإلا فبيده أو بعود ، ثم رضعه على فيه بلا تقبيل . واليماني مسه بيده ، ثم يضعها على فيه بلا تقبيل ، ولا يمسه بفيه بخلاف الشاميين ، فليسا على قواعد إبراهيم ، فلم يمسها فالعلة ذلك . قال القابسي : لو أدخل الحجر في البيت حتى عاد الشاميان على قواعد إبراهيم استلما . قال ابن القصار : ولد لما بنى الزبير الكعبة على قواعده استلم الأركان كلها ، والذي قاله الجمهور سلفا وخلقا أن الشاميين لا يستلمان . قال عياض : واتفق عليه أئمة الأمصار والفقهاء ، وإنما كان الخلاف في ذلك في العصر الأول من بعض الصحابة وبعض التابعين ، ثم ذهب . وقال بعض العلماء : اختصاص الركنين بين بالسنة ، ومستند التعميم بالقياس . وأجاب الشافعي عن قول من قال : ليس شئ من البيت مهجور بأنا لم ندع استلامهما هجرا للبيت ، وكيف يهجره وهو يطوف به ؟ ولكنا نتبع السنة فعلا أو تركا ، ولو كان ترك استلامهما هجرا لهما لكان استلام ما بين الأركان هجرا لها ، ولا قائل به . قوله : " وأما النعال السبتية ، فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس النعال التي ليس فيها شعر " ، أشار إلى تفسيرها بذلك ، وهكذا قال جماهير أهل اللغة والغريب والحديث : أنها التي لا شعر فيها . قوله : " ويتوضأ فيها " أي النعال ، أي يتوضأ ويلبسها ورجلاه رطبتان ، قاله النووي ، " فأنا أحب أن ألبسهما " اقتداء به " وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها فأنا أحب أن أصبغ بها " ، قال المازري : قيل : المراد صبغ الشعر ، وقيل : صبغ الثوب ، قال : والأشبه الثاني لأنه أخبر أنه صلى الله عليه وسلم صبغ ، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه صبغ شعره . قال عياض : وهذا أظهر الوجهين ، وقد جاءت آثار عن ابن عمر بين فيها تصفير ابن عمر لحيته ، واحتج بأنه صلى الله عليه وسلم كان يصفر لحيته بالورس والزعفران . رواه أبو داود ، وذكر أيضا في حديث آخر احتجاجه بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبغ بها ثيابه حتى عمامته . وأجيب عن الأول باحتمال أنه كان مما يتطيب به ، لا أنه كان يصبغ بها شعره . وقال ابن عبد البر : لم يكن صلى الله عليه وسلم يصبغ بالصفرة إلا ثيابه ، وأما الخضاب فلم يكن يخضب ، وتعقبه في ( المفهم ) بأن في سنن أبي داود عن أبي رمثة قال : انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو ذو وفرة ردع من حناء ، وعليه بردان أخضران . قال الولي العراقي : وكان ابن عبد البر إنما أراد نفى الخضاب في لحيته صلى الله عليه وسلم فقط . قوله : وأما الإهلال فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته " ، أي تستوى قائمة إلى طريقه ، قال المازري : ما تقدم جواباته نص في عين ما سئل عنه ، ولما لم يكن عنده نص في الرابع أجاب بضرب من القياس ، ووجه أنه لما رآه في حجة من غير مكة إنما يهل عند الشروع في الفعل أخر هو إلى يوم التروية ، لأنه الذي يبتدأ فيه بأعمال الحج من الخروج إلى منى وغيره . وقال القرطبي : أبعد من قال : هذا قياس ، بل تمسك بنوع الفعل الذي رآه يفعله ، وتعقب بأن ابن عمر ما رآه أحرم من مكة يوم التروية كما رآه استلم الركنين اليمانيين فقط ، بل رآه أحرم من ذي الحليفة حين استوت به راحلته ، فقاس الإحرام من مكة على الإحرام من الميقات ، لأنها ميقات الكائن بمكة فأحرم يوم التروية ، لأنه يوم التوجه إلى منى ، والشروع في العمل قياسا على إحرامه صلى الله عليه وسلم من الميقات حين توجه إلى مكة ، فالظاهر قول المازري . وقد قال ابن عبد البر : جاء ابن عمر بحجة قاطعة نزع بها ، فأخذ بالعمورم في إهلاله صلى الله عليه وسلم ، ولم يخص مكة من غيرها ، فكأنه قال : لا يهل الحاج إلا في وقت يتصل له عمله وقصده إلى البيت ومواضع المناسك والشعائر ، لأنه صلى الله عليه وسلم أهل واتصل له عمله ، ووافق ابن عمر على هذا جماعة من السلف ، ربه قال الشافعي وأصحابه ، وهو رواية مالك . والرواية الأخرى : والأفضل أن يحرم من أول ذي الحجة . قال عياض : وحمل شيوخنا رواية استحباب الإهلال يوم التروية على من كان خارجا من مكة ، وراوية استحبابه أول الشهر على من كان في مكة ، وهو قول أكثر الصحابة والعلماء ، ليحصل له من الشعث ما يساوي من أحرم من الميقات . قال النووي : والخلاف في الاستحباب وكل منهما جائز بالإجماع ، وكلام القاضي وغيره يدل ذلك . قال ابن عبد البر : في الحديث دليل على أن الاختلاف في الأفعال والأقوال والمذاهب ، كان موجودا في الصحابة ، وهو عند العلماء أصح ما يكون من الاختلاف ، وإنما اختلفوا بالتأويل المحتمل فيما سمعوه ورأوه ، وفيما انفرد بعضهم بعلمه دون بعض ، وما أجمع عليه الصحابة واختلط فيه من بعدهم ، فليس اختلافهم بشئ . وفيه أن الحجة عند الاختلاف السنة ، وأنها حجة على من خالفها ، وليس من خالفها حجة عليها ، ألا ترى أن ابن عمر لهم يستوحش من مفارقة أصحابه ، إذ كان عنده في ذلك علم من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يقل له ابن جريج : الجماعة أعلم به منك ، ولعلك وهمت كما يقول اليوم من لا علم به ، بل انقاد للحق إذ سمعه ، وهكذا يلزم الجميع . ( شرح العلاقة الزرقاني على موطأ الإمام مالك ) 2 / 329 - 332 .