المقريزي

251

إمتاع الأسماع

فصل في ذكر صاحب بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إعلم أنه قد تقدم من طريق الواقدي أن صاحب البدن هو ناجية ( بن جندب ) ، وقد ورد أن ذئيبا الخزاعي توجه أيضا بالبدن ، فأما ناجية فهو ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر بن دارم بن وائلة بن سهم بن مازن بن سلامان بن أسلم بن أفصى الأسلمي ، كان اسمه ذكوان ، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجية حين نجا من قريش ، مات في خلافة معاوية رضي الله عنه ( 1 ) . ووقع في موطأ مالك رحمه الله تعالى ، من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه قال : إن صاحب هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا رسول الله ! كيف أصنع بما عطب من الهدي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل بدنة عطبت من الهدي فانحرها ، ثم ألق قلائدها في دمها ، ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها . كذا وقع هذا الحديث في الموطأ مرسلا ( 2 ) ، وأسنده جماعة من الحفاظ ( 3 ) رووه

--> ( 1 ) له ترجمة في : ( الإصابة ) : 6 / 399 - 401 ، ترجمة رقم ( 8648 ) ، ( الإستيعاب ) : 4 / 1522 - 1523 ، ترجمة رقم ( 2650 ) . ( 2 ) ( موطأ مالك ) : 262 ، كتاب الحج ، العمل في الهدي إذا عطب أو ضل ، حديث رق ( 858 ) . ( 3 ) ( سنن أبي داود ) : 2 / 368 ، كتاب مناسك الحج ، باب ( 19 ) في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ ، حديث رقم ( 1762 ) ، وفيه : " ثم اصبغ نعله في دمه ، ثم خل بينه وبين الناس " . قال الخطابي : إنما أمره بأن يصبغ نعله في دمه ليعلم المار به أنه هدي فيتجنبه إذا لم يكن محتاجا ، ولم يكن مضطرا إلى أكله . وفي قوله : " خل بينه وبين الناس " دلالة على أنه لا يحرم على أحد أن يأكل منه إذا احتاج إليه ، وإنما حظر على سائقه أن يأكل دونهم . وقال مالك بن أنس : فإن أكل شيئا كان عليه البدل . ( معالم السنن ) . وأخرجه الترمذي في ( السنن ) : 3 / 253 ، كتاب الحج ، باب ( 71 ) ، ما جاء إذا عطب الهدي ما يصنع به ، حديث رقم ( 910 ) ، ( ثم قال ) : وفي الباب عن ذؤيب أبي قبيصة الخزاعي . قال أبو عيسى : حديث ناجية حديث حسن صحيح ، والعمل على هذا عند أهل العلم . قالوا في هدي التطوع إذا عطب : لا يأكل هو ولا أحد من أهل رفقته ، ويخلي بينه وبين الناس يأكلونه ، وقد أجزأ عنه ، وهو قول الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وقالوا : إن أكل منه شيئا غرم بقدر ما أكل منه . وقال بعض أهل العلم : إذا أكل من هدي التطوع شيئا ، فقد ضمن الذي أكل . وأخرجه مسلم في كتاب الحج من ( الصحيح ) ، باب ( 66 ) ما يفعل بالهدي إذا عطب بالطريق ، حديث رقم ( 1325 ) . وفيه فوائد ، منها : أنه إذا عطب الهدي وجب ذبحه وتخليته للمساكين ، ويحرم الأكل منها عليه ، وعلى رفقته الذين معه في الركب ، سواء كان الرفيق مخالطا له أو في جملة الناس من غير مخالطة ، والسبب في نهيهم قطع الذريعة لئلا يتوصل بعض الناس إلى نحره أو تعييبه قبل أوانه . واختلف العلماء في الأكل من الهدي إذا عطب فنحره ، فقال الشافعي : إن كان هدي تطوع له أن يفعل فيه ما شاء من بيع وذبح وأكل وإطعام وغير ذلك ، ولو تركه ولا شئ عليه في ذلك لأنه ملكه . وإن كان هديا منذورا لزمه ذبحه ، فإن تركه حتى هلك لزمه ضمانه ، كما لو فرط في حفظ الوديعة حتى تلفت . فإذا ذبحه غمس نعله التي قلده إياها في دمه ، وضرب بها صفحه سنامه ، وتركه موضعه ، ليعلم من مر به أنه هدي فيأكله . ولا يجوز للمهدي ولا لسائق هذا الهدي وقائده الأكل منه ، ولا يجوز للأغنياء الأكل منه مطلقا ، لأن الهدي مستحق للمساكين ، فلا يجوز لغيرهم ، ويجوز للفقراء من غير أهل هذه الرفقة . وفي المراد بالرفقة وجهان ، بسط القول فيهما في ( مسلم بشرح النووي ) : 9 / 85 . وأخرجه ابن ماجة في ( السنن ) : 2 / 1036 ، كتاب المناسك ، باب ( 101 ) في الهدي إذا عطب ، حديث رقم ( 3105 ) .