المقريزي

218

إمتاع الأسماع

ومسلم ( 1 ) من حديث أبي إسحاق عن البراء ، فذكر حديث حنين وفيه :

--> ( 1 ) ( مسلم بشرح النووي ) : 12 / 360 - 361 ، كتاب الجهاد والسير ، باب ( 28 ) في غزوة حنين ، حديث رقم ( 1776 ) ، قوله صلى الله عليه وسلم : أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب قال القاضي عياض : قال المازري : أنكر بعض الناس كون الرجز شعرا لوقوعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، مع قوله تعالى : ( وما علمناه الشعر وما ينبغي له ) وهذا مذهب الأخفش ، واحتج به على فساد مذهب الخليل في أنه شعر ، وأجابوا عن هذا بأن الشعر هو ما قصد إليه ، واعتمد الإنسان أن يوقعه موزونا مقفى ، يقصده إلى القافية . وهكذا الجواب عما في القرآن من الموزون ، كقوله تعالى : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) . وقوله تعالى : ( نصر من الله وفتح قريب ) ، ولا شك أن هذا لا يسميه أحد من العرب شعرا ، لأنه لم تقصد تقفيته وجعله شعرا . قال الإمام النووي : وقد قال الإمام أبو القاسم علي بن أبي جعفر بن علي السعدي الصقلي المعروف بابن القطاع في كتابة ( الشافي في علم القوافي ) : قد رأى قوم - منهم الأخفش وهو شيخ هذه الصناعة بعد الخليل - أن مشطورا الرجز ومنهوكه ليس بشعر ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم : الله مولانا ولا مولى لكم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : هل أنت إلا أصبع دميدت ، وفي سبيل الله ما لقيت ، وقوله صلى الله عليه وسلم : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ، وأشباه ذلك . قال ابن القطاع : وهذا الذي زعمه الأخفش وغيره غلط بين ، وذلك لأن الشاعر إنما سمي شاعرا لوجوه ( ذكرها الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم فلتراجع هنالك ) . فإن قيل : كيف قال النبي صلى الله عليه وسلم : أنا ابن عبد المطلب فانتسب إلى جده دون أبيه وافتخر بذلك ، مع أن الافتخار في حق أكثر الناس من عمل الجاهلية ؟ فالجواب أنه صلى الله عليه وسلم كانت شهرته بجده أكثر لأن أباه عبد الله توفي شابا في حياة أبيه عبد المطلب ، قبل اشتهار عبد الله ، وكان عبد المطلب مشهورا شهرة ظاهرة شائعة ، وكان سيد أهل مكة ، وكان كثير من الناس يدعون الناس صلى الله عليه وسلم ابن عبد المطلب ينسبونه إلى جده لشهرته . ومنه حديث همام بن ثعلبة في قوله : أيكم ابن عبد المطلب ؟ وقد كان مشتهرا عندهم أن عبد المطلب بشر بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه سيظهر ، وسيكون شأنه عظيما ، وكان قد أخبره بذلك سيف ابن ذي يزن . وقيل : إن عبد المطلب رأى رؤيا تدل على ظهور النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك مشهورا عندهم ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم تذكيرهم بذلك ، وتنبيههم بأنه صلى الله عليه وسلم لا بد من ظهوره على الأعداء ، وأن العاقبة له ، لتقوى نفوسهم ، وأعلمهم أيضا بأنه ثابت ، ملازم للحرب ، لم يول مع من ولى ، وعرفهم موضعه ، ليرجع إليه الراجعون . والله تعالى أعلم . ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : " أنا النبي لا كذب " ، أي أنا النبي حقا ، فلا أفر ولا أزول ، وفي هذا دليل على جواز قول الإنسان في الحرب : أنا فلان ، وأنا ابن فلان ، ومثله قول سلمة : أنا ابن الأكوع ، وقول علي رضي الله عنه : أنا الذي سمتني أمي حيدرة ، وأشباه ذلك . وقد صرح بجوازه علماء السلف ، وفيه حديث صحيح ، قالوا : وإنما يكره ذلك على وجه الافتخار كفعل الجاهلية ، والله تعالى أعلم . ( مسلم بشرح النووي ) : 12 / 361 - 363 مختصرا .