الشيخ محمد تقي الفقيه
59
قواعد الفقيه
خامسها : إن معنى تعارض الامارتين هو تكاذبهما لكون كل منهما حجة في مدلوله المطابقي والالتزامي ، المستلزم للتناقض في نفس دليل الامارة ، ومعنى تعارض الأصلين هو لزوم المخالفة لدليل الحكم الواقعي . ففي باب الامارتين يعلم بالتكاذب ، وفي باب الأصلين لا يعلم بالكذب ولا بالتكاذب . والسر في ذلك أن الأصل ليس حجة في مدلوله الالتزامي العقلي والعادي ، لكونه حينئذ مثبتا فلا يعارض الآخر ، وليس فيه طريقية ، فلا يتصف بالكذب ولا بالتكاذب بخلاف الامارتين فإن كلا منهما حجة في مدلوله المطابقي والالتزامي . وينبغي أن يعلم إن المخالفة العملية موجودة في موارد تنجز العلم الاجمالي ، حتى التي تنحصر بعد التنجز في فرد ، وتوضيح ذلك في محله ( 1 ) . سادسها : لا يخفى أن العلم يكون دائما جزء الموضوع في الأحكام العقلية ، لأن العقل لا يحكم إلا بعد إحراز مناطاته ، وإدراك موضوعات أحكامه إدراكا كاملا ومن ثم كان الشك في الموضوع يستدعي ارتفاع حكم العقل جزما لانتفاء الموضوع المركب بانتفاء جزئه . وحينئذ ففي ظرف الشك لا حاجة للرجوع إلى الأصول من الاستصحاب أو البراءة أو الاشتغال . وأما الأحكام الشرعية فإن أخذ العلم فيها جزء الموضوع ، كان حالها حال الأحكام العقلية . . وأما إذا كان موضوعها الواقعة المرسلة الشاملة بنتيجة الاطلاق لصورتي إحراز الموضوع والشك فيه ، فإن مقتضى القاعدة الأولية فيها هو الاحتياط ، لأن المقتضي له موجود والمانع مفقود ، ولأن العقل هو المحكم في شؤون الامتثال وبعد اطلاعه على حرمة الخمر تفصيلا ، لا يرى الجهل بخمرية هذا المائع عذرا ، ولكنه لا يحيل جعل الأحكام الظاهرية في باب الشبهات البدوية الموضوعية . وأما الشبهات الحكمية فربما يكون الأمر فيها أوضح ، لأن الحكم غير محرز بنظر العقل ليحرك العبد على امتثاله ، وقد عرفت إن العلم جزء الموضوع عنده ، فوجوب الإطاعة موقوف على إحراز حكم ليتحقق الحكم