الشيخ محمد تقي الفقيه
22
قواعد الفقيه
فإن أخذ العلم فيها جزء الموضوع كان حالها حال الأحكام العقلية . وأما إذا كان موضوعها هو الواقعة المرسلة الشاملة بنتيجة الإطلاق لصورتي إحراز الموضوع والشك فيه ، فإن أحرز الموضوع فلا إشكال في تنجز الحكم ، وأما إذا شك فيه - كما في الشبهات الموضوعية البدوية ، أعني غير المقرونة بالعلم الإجمالي المنجز - فإن مقتضى القاعدة الأولية فيها هو وجوب الاحتياط بنظر العقل ، فإن المقتضى لذلك موجود ، والمانع مفقود ، وذلك لأن المحكم في شؤون الامتثال هو العقل ، وبعد إحراز الحكم - أعني الكبرى - لا يكون الشك في الموضوع - أعني الصغرى - معذرا بنظره . وغاية الأمر أنه لا يحيل جعل الأحكام الظاهرية في الشبهات البدوية لما حررناه في منجزية العلم الإجمالي ، ولولا جعل الأحكام الظاهرية لالتزمنا بالاحتياط فإذا علمنا بحرمة الخمر وحلية الخل ، وشككنا في مائع أنه خمر أو خل ، وجب الاحتياط بحكم العقل لولا قاعدة الحل وأصالة البراءة . وليس معنى وجوب الاحتياط أن العقل يحكم بذلك مستقلا ليلزم من ترخيص الشارع المناقضة أو احتمال المناقضة ، بل معناه أنه لا يرى طريقا للأمن إلا بالاحتياط ، فهو يستقل بمطالبة العبد بتحصيل الأمان لنفسه ، ولا يدرك أكثر من ذلك . وقد أوضحنا ذلك عند بيان الوجه في منجزية العلم الإجمالي وعليته التامة « 1 » وإذا عرفت هذا ، عرفت أننا إذا شككنا في موضوع الحكم العقلي أو الشرعي الذي أخذ العلم فيه جزءا فإنّا نجزم بانتفاء الحكم لانتفاء موضوعه قطعا ، لأن المركب ينتفي بانتفاء جزئه ، والمشروط عدم عند عدم شرطه ، وقد فرض أن العلم جزء وهو غير حاصل بالوجدان لفرض كوننا شاكين ، وإذا فرض حصول العلم بانتفاء الحكم بسبب عدم إحراز الموضوع ، فلا معنى للأصول لأن موردها الشك .
--> ( 1 ) لاحظ ق 52 من هذا الكتاب ص 213 .