الشيخ محمد تقي الفقيه
211
قواعد الفقيه
لأنهم إن قالوا ببساطة الوجوب يرد عليهم إنه إذا ارتفع الوجوب بلا حرج ارتفع بتمامه ، لامتناع تبعض البسيط ، وحينئذ لا يبقى دليل على أصل المشروعية . وإن قالوا : إنه مركب من الطلب مع المنع من الترك يرد عليهم أما لزوم ارتفاع الجنس تبعا لارتفاع الفصل الذي تقوم به ، وحينئذ لا يبقى دليل على أصل المشروعية ، وأما بقاؤه بلا فصل وهو محال ، وأما بقاؤه في فصل جديد ، وهي دعوى بلا دليل ، لأن الآية المباركة تتكفل بالرفع ولا تتكفل بالوضع ، بل يمتنع تأدية كلا المضمونين بمثل قوله تعالى : ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ . . . ولا أقل من أنه لا ظهور لها في وضع شيء جديد . قلت : هذا ايراد متين وجيه بحسب الصناعة ، والتحقيق في الجواب عنه أن الوجوب أمر بسيط ، وأنه أمر اعتباري منتزع عن البعث المؤكد الذي لا يرضى المولى بتركه . وهو معنى قولهم : إنه طلب الفعل مع المنع من الترك . وكذلك الاستحباب فإنه أمر بسيط منتزع عن الطلب غير المؤكد ، وهو معنى الرخصة في الترك . ودليل نفي الحرج يرفع مرتبة التأكد ، لأن الحرج يأتي من قبلها لا من قبل أصل الطلب بالضرورة ، وحينئذ لا يبقى إلّا الطلب ، وعنه تنتزع صفة الاستحباب ، أو أصل المشروعية التي لا تنفك في العبادات عن الاستحباب . والدليل على بساطة الاستحباب أن الاستحباب بعث ، ولا يعقل أن تكون الرخصة في الترك مقومة للبعث . لأن الترك أمر ينافي الطلب والبعث ، فكيف يكون مقوما لهما . ومنه يعلم أن عدم الرضا بالترك أيضا خارج عن حقيقة الوجوب لأنهما من سنخ واحد « 1 » . فرفع الوجوب معناه رفع صفة الالزام التي ينتزع عنها المنع من الترك ، وقضية تركيب الوجوب من جنس وفصل ، وتقوم الجنس بفصل جديد ، بعد ارتفاع فصله الذي وجد به ، قضية شعرية ، فإنه لا جنس ولا فصل ولا تقوم ، حتى بناء على التركيب لأن ذلك على تقدير تسليمه والإحاطة به ، انما هو في الماهيات التكوينية . ومتابعتنا للمنطقيين في ذلك متابعة وتقليد لمن قوله ليس
--> ( 1 ) وقد أوضحنا هذا في مباني الفقيه ، في الأوامر . وهو الكتاب الذي شرعنا في اعدام شطر من مسوداته .